من أسطول ضخم إلى الصفر.. كيف اختفت الخطوط البحرية السودانية؟

كان اسم الخطوط البحرية السودانية (سودانلاين) لسنوات طويلة عنواناً للحضور البحري السوداني في الموانئ العالمية. فقد كانت بواخرها تجوب البحر الأحمر والمتوسط وصولاً إلى أوروبا وأمريكا، قبل أن يختفي هذا الأسطول بالكامل بحلول عام 2017، في واحدة من أبرز قصص التراجع في تاريخ النقل البحري السوداني.
بداية الحلم البحري السوداني
تعود البدايات إلى عام 1963 في عهد الرئيس الأسبق الفريق إبراهيم عبود، حين امتلكت الشركة أول سفينتين هما “سنار” و“أركويت”، لتبدأ بذلك رحلة تأسيس أسطول وطني يربط السودان بالأسواق العالمية.
وخلال السنوات اللاحقة توسع الأسطول بشكل متسارع، إذ أضيفت سفن جديدة بين عامي 1964 و1980، من بينها الجزيرة وكردفان ومريدي وشندي ونيالا وأم درمان. كما شهدت نهاية السبعينيات إضافة ست سفن دفعة واحدة هي: دنقلا، الأبيض، دارفور، القضارف، الخرطوم ومروي.
وفي عام 1980 تلقى السودان هدية من ملك الدنمارك تمثلت في الباخرتين النيل الأبيض والنيل الأزرق، ليصل عدد سفن الأسطول إلى نحو 15 باخرة، وهو ما جعل الشركة آنذاك واحدة من أكبر شركات النقل البحري في أفريقيا والشرق الأوسط.
شبكة خطوط بحرية تمتد إلى أوروبا وأمريكا
لم يقتصر نشاط الأسطول على الموانئ الإقليمية، بل كانت بواخر الشركة تعمل على خطوط بحرية طويلة تبدأ من موانئ البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، مروراً بالمغرب وليبيا، وصولاً إلى موانئ شمال أوروبا وأحياناً إلى الولايات المتحدة.
وكانت الرحلة البحرية الواحدة تستغرق نحو شهرين، بينما تشير تقديرات إلى أن بعض الرحلات كانت تحقق عائداً يصل إلى 30 مليون دولار للباخرة الواحدة.
أما طاقة النقل فقد كانت كبيرة نسبياً؛ إذ صممت بعض السفن لنقل 1500 راكب إضافة إلى 3500 طن من البضائع ونحو 500 سيارة.
وتشير بيانات النقل البحري إلى أن ميناء بورتسودان كان يستقبل عبر هذه البواخر نحو 36 ألف راكب سنوياً، بينما بلغ حجم البضائع المنقولة ما يقارب 569 ألف طن سنوياً.
قطاع ضخم وفر آلاف الوظائف
في ذروة نشاطها، كانت الخطوط البحرية السودانية تشغّل ما يقارب 17,800 عامل من قباطنة ومهندسين بحريين وبحارة وموظفين. كما أسهمت في تدريب كوادر بحرية سودانية عمل كثير منها لاحقاً في شركات الملاحة العالمية.
ورغم وجود فائض في العمالة قُدّر بنحو 10,200 موظف في بعض الفترات، فإن الشركة ظلت تحقق عوائد مالية معتبرة لسنوات طويلة.
أدوار إنسانية في أوقات الأزمات
لم يقتصر دور الأسطول البحري على النشاط التجاري، بل لعب أدواراً إنسانية وإقليمية في أوقات الأزمات. فقد كانت الباخرة “شندي” أول سفينة تعبر قناة السويس بعد إعادة افتتاحها، في خطوة رمزية لكسر الحصار الذي كان مفروضاً على الدول العربية آنذاك، تلتها الباخرة “سنار”.
كما شاركت بواخر الشركة في عمليات إجلاء السودانيين من مناطق النزاعات، بينها حرب الخليج والحرب في اليمن، حيث نُقل المواطنون مع ممتلكاتهم وسياراتهم إلى السودان.
بداية التراجع في التسعينات
مع مطلع التسعينيات بدأت مؤشرات التراجع تظهر على الأسطول البحري السوداني. وتشير إفادات مسؤولين وخبراء إلى أن عدة عوامل ساهمت في ذلك، من بينها ضعف الإدارة والتدخلات السياسية إلى جانب التحديات الاقتصادية.
وقال عضو مجلس السيادة الفريق مهندس إبراهيم جابر في تصريحات سابقة إن انهيار الشركة ارتبط بتدخلات إدارية وأمنية أدت إلى هجرة الكوادر المؤهلة التي كانت تشكل العمود الفقري للقطاع البحري السوداني.
النهاية: السودان بلا أسطول بحري
بحلول عام 2017 اختفى الأسطول بالكامل، ليصبح السودان – الذي كان يمتلك أحد أكبر الأساطيل التجارية في المنطقة – من دون باخرة واحدة.
ومع اختفاء السفن تراجعت أيضاً أصول الشركة، ولم يتبق منها سوى عدد محدود من المباني والممتلكات، بينما توقفت خطط بيع بعض الأصول لاحقاً بسبب التطورات السياسية في البلاد.
هل يعود الناقل البحري السوداني؟
قصة الخطوط البحرية السودانية تمثل نموذجاً لتحول مؤسسة وطنية كبيرة من مرحلة الازدهار إلى الغياب الكامل. ومع تزايد الدعوات لإحياء الناقل البحري الوطني، يظل السؤال مطروحاً:
هل يستطيع السودان إعادة بناء أسطول بحري جديد يعيده إلى خريطة الملاحة الدولية من جديد؟








