تقرير: بهاء الدين عيسى
في قاعة مكتظة بالعاصمة الأوغندية كمبالا، لم يكن محمد حمدان دقلو “حميدتي” يلقي مجرد خطاب عابر؛ كان يمارس «تعرية سياسية» وعسكرية غير مسبوقة.
فبينما كانت قواته تروج لشهور لمصطلح «إعادة التموضع» فجّر الرجل القادم من أصقاع دارفور مفاجأة صادمة بإقراره الصريح: “طردونا من الخرطوم.. مافي إعادة تموضع“. هذا الاعتراف ليس مجرد زلة لسان، بل هو إعلان عن تحول استراتيجي في مسار الحرب السودانية، حيث بدأت “المسيرات المجهولة” ترسم حدوداً جديدة لم تعد “عربات الدفع الرباعي” قادرة على اختراقها.
اعتراف “الفنيين”: الحقيقة المرة
لطالما أنكرت قوات الدعم السريع استعانتها بعناصر أجنبية، لكن حميدتي في كمبالا قرر اللعب على المكشوف. إقراره باستجلاب “فنيين” (في إشارة واضحة للمرتزقة الكولومبيين) لتشغيل المسيرات، ومقارنة ذلك بما يفعله الجيش، يكشف عن مأزق تقني عميق. إنها “حرب الوكلاء” التي انتقلت من البنادق إلى البرمجيات، حيث بات مصير المعارك معلقاً بأيدي فنيين لا يتحدثون العربية، انطلقوا من مطارات “دول صديقة” ليغيروا قواعد اللعبة الجوية التي أخرجت الدعم السريع من أزقة الخرطوم ومنعت زحفه نحو بورتسودان.
دراما “الروبوت” وشبح الإسلاميين
في مشهد سريالي، عرض حميدتي “خلع قميصه” ليثبت أنه ليس نتاج ذكاء اصطناعي أو “روبوت”. هذا الاستعراض الجسدي يعكس حجم “أزمة الثقة” التي تلاحق قيادته بعد شهور من الغياب الغامض. لكن خلف هذا الاستعراض، يكمن الهدف السياسي الأوحد: “اقتلاع الإسلاميين”. بالنسبة لحميدتي، لم تعد الحرب ضد الجيش كمؤسسة، بل هي تصفية حسابات تاريخية مع نظام قديم يرى أنه ما زال يمسك بخيوط اللعبة من خلف الستار.
جيش النصف مليون.. طموح أم وهم؟
زعم حميدتي أن قواته قفزت من 123 ألفاً إلى 500 ألف مقاتل. هذا الرقم، إن صح، يضع السودان أمام “قنبلة موقوتة” من المقاتلين غير النظاميين الذين يصعب تسريحهم أو دمجهم. ومع ذلك، فإن هذا التضخم العددي يصطدم بحقيقة ميدانية أقرّ بها القائد نفسه: الكثرة العددية لم تصمد أمام “التفوق التكنولوجي” والغطاء الجوي الخارجي.
مقامرة كمبالا
ينهي حميدتي خطابه برفض “السلام الهش” ورفض “الانفصال”، لكن اعترافاته تشير إلى واقع مختلف. السودان الآن أمام مفترق طرق؛ فإما أن يؤدي هذا “الصدق المفاجئ” إلى مفاوضات حقيقية تدرك حجم الخسائر، أو أننا أمام مرحلة جديدة من التصعيد تستخدم فيها قوات الدعم السريع “خزانها البشري” الضخم لتعويض انكسارها التقني.
حميدتي خلع قميصه مجازياً، لكن جسد السودان هو الذي يظل عارياً أمام طموحات الجنرالات وتدخلات الخارج.











