تقارير وحوارات

صمغٌ لا يُرمّم الجراح: كردفان ومعضلة الثروة في زمن الميليشيات

صمغٌ لا يُرمّم الجراح: كردفان ومعضلة الثروة في زمن الميليشيات

تحليل سياسي ـ بهاء الدين عيسى

في قلب الخارطة السودانية، لم تعد ولايات كردفان مجرد ساحة خلفية لحرب الجنرالات، بل تحولت إلى المركز العصبي لصراع وجودي يقتات على الذهب الأسود والأبيض معاً.

إن البيانات المقتضبة التي صدرت مؤخراً من العواصم العربية، والتي وصفت هجمات “قوات الدعم السريع” بالإجرامية، لا تعكس فقط قلقاً إنسانياً، بل تؤشر على إدراك جيوسياسي متأخر: إن من يسيطر على كردفان لا يسيطر فقط على جغرافيا الوصل، بل يضع يده على “صندوق ذخيرة” الاقتصاد السوداني وما تبقى من سيادة الدولة.

 النفط كرهينة والنزوح كأداة

تُعد ولاية غرب كردفان اليوم الرئة الوحيدة التي تمد ما تبقى من جسد الدولة بـ “أكسجين” الطاقة، حيث تضم حقولاً استراتيجية مثل “هجليج” و”بليلة”.

السيطرة الميدانية الحالية تعني عملياً أن مفاتيح تدفقات الخام لم تعد بيد وزارة النفط في بورتسودان، بل أصبحت ورقة مساومة في يد الميليشيات. هذا “الاحتلال النفطي” يتجاوز كونه نهباً للموارد؛ إنه إعادة هندسة للخريطة السكانية عبر استهداف النازحين والمنشآت الطبية، بهدف تحويل الإقليم إلى منطقة عسكرية مغلقة تضمن تدفق الإيرادات لتمويل آلة الحرب، بعيداً عن أي رقابة سيادية، مما يضع السودان على أعتاب “الصوملة” الاقتصادية الكاملة.

كيف يمول «الصمغ العربي» دمار منتجيه؟

بينما ينشغل العالم بمراقبة خطوط النار، تتدفق “دموع الأشجار” أو الصمغ العربي عبر مسارات تهريب سرية نحو دارفور ومنها إلى دول الجوار، لتتحول من سلعة تنموية إلى وقود للحرب. السودان الذي كان يهيمن تاريخياً على نحو 70% إلى 80% من الإنتاج العالمي (بإنتاج يفوق 80 ألف طن سنوياً)، يشهد اليوم انهياراً لمؤسساته الرقابية لصالح “اقتصاد الظل”.

يتم شراء المحصول من مزارعي كردفان بأسعار بخسة تحت فوهات البنادق، ليُقايض في الأسواق الإقليمية بالسلاح والمسيرات. إن تحول الصمغ العربي إلى “عملة حرب” عابرة للحدود يفسر إصرار الأطراف المسلحة على إبقاء كردفان في حالة فوضى مستدامة تضمن استمرار النهب المنظم.

 ما وراء «الخطوط الحمراء» الجديدة

التحول الجذري في نبرة الرياض والقاهرة والجامعة العربية، وانتقالها من لغة “ضبط النفس” إلى “الإدانة الإجرامية” الصريحة، يشير إلى أن الصبر الإقليمي قد نفد تجاه الأطراف التي تهدد بتفكيك الدولة. إن الربط بين الهجمات في كردفان و”إدخال السلاح غير الشرعي” يعكس تخوفاً من تحول الإقليم إلى بؤرة جذب للمرتزقة والجماعات العابرة للحدود.

هذه الاستفاقة الدبلوماسية تضع “قوات الدعم السريع” أمام عزلة سياسية متزايدة، وتوحي بأن القوى الإقليمية بدأت تدرك أن سقوط كردفان اقتصادياً يعني سقوط السودان ككيان موحد، وهو سيناريو لا ترغب أي عاصمة عربية في دفع أثمانه الأمنية مستقبلاً.

بهاء  الدين عيسى

صحفي سوداني بارز، نال جائزة “أفضل إنجاز صحفي” ضمن مشروع كلمات سودانية من المؤسسة الفرنسية للتنمية، يُعرف بجرأته في التحقيقات الاستقصائية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى