تقارير وحوارات

عودة هادئة تُعيد الروح إلى الخرطوم

فيتشر – الراي السوداني

بعد سنوات من الصمت الثقيل ورائحة الحرب، بدأت الخرطوم تتحسس طريقها نحو الحياة من جديد. في قلب الأسواق القديمة، يعود النداء بين الباعة والمشترين، خافتاً لكنه حقيقي، كأن المدينة تتعلم المشي بعد سقوط طويل. المشهد لا يشبه ما كان قبل أبريل 2023، لكنه يحمل إشارة واضحة: الخرطوم لم تمت.

في الأحياء السكنية، لا تزال المعاناة حاضرة. جاهد خليفة، أحد سكان بحري، يصف الواقع بمرارة: العزلة قاسية، العمل غير مستقر، والأسعار تثقل كاهل الجميع.

ومع ذلك، فإن مجرد البقاء، وعودة بعض مظاهر النشاط، يعكسان تمسك الناس بمدينتهم رغم قسوة الظروف.

اقتصادياً، تحمل الخرطوم إرثاً ثقيلاً من الدمار. المدينة التي كانت تمثل نحو 80% من النشاط الاقتصادي الرسمي في السودان، فقدت مصانعها، مصارفها، وبنيتها التحتية.

العملة تراجعت بشكل حاد، والتضخم بلغ مستويات غير مسبوقة، فيما انكمشت الإيرادات الحكومية وتراكمت خسائر الإنتاج والخدمات.

الأرقام قاسية، وتكلفة إعادة الإعمار تُقدَّر بمئات المليارات من الدولارات.

لكن وسط هذا الركام، تبرز تحولات لافتة. في 11 يناير 2026، عادت الحكومة رسمياً إلى الخرطوم بعد سنوات من العمل من بورتسودان. رئيس الوزراء كامل إدريس وصف الخطوة بأنها “عودة حكومة الأمل”، متعهداً بإعادة تشغيل المستشفيات، وتأهيل المدارس والجامعات، وتحسين الأمن والخدمات.

الأهم، أنه أعلن 2026 “عام السلام”، مع وعود بخفض التضخم، واستقرار سعر الصرف، وزيادة الناتج المحلي، دون أعباء إضافية على المواطن.

التوقعات الاقتصادية، رغم حذرها، تحمل إشارات إيجابية. تقارير حديثة ترجح تعافياً جزئياً بنمو قد يصل إلى 4.1% خلال 2026، مدفوعاً بعودة النشاط الزراعي، وتحسن الحركة التجارية في العاصمة، وبدء دوران عجلة الإنتاج ولو ببطء.

العنصر الأهم في هذا التحول هو الناس. وفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة، عاد نحو 3.3 مليون نازح سوداني إلى ديارهم حتى نهاية نوفمبر 2025، بينهم أكثر من مليون إلى الخرطوم وحدها.

عودة الأسر، وفتح الأسواق المحلية، واستئناف الخدمات الصحية في بعض المستشفيات، أعادت للمدينة نبضاً افتقدته طويلاً.

فوجود السكان لا يعني فقط حياة اجتماعية، بل يعيد تحريك الإيجارات، الوظائف، والتجارة اليومية.

رغم ذلك، لا يمكن تجاهل التحديات. القتال لم يتوقف في دارفور وكردفان، والخدمات الأساسية لا تزال هشة، والمخاطر الصحية قائمة.

العودة ما زالت جزئية، والمعيشة قاسية، وكثيرون يعملون في أكثر من وظيفة لتأمين الحد الأدنى.

الخرطوم اليوم تقف عند مفترق طرق. مدينة مجروحة، لكنها بدأت تتنفس. عودة الحكومة، وعودة الناس، وعودة الأسواق، ليست نهاية الأزمة، لكنها بداية مسار مختلف.

مسار طويل، يتطلب سلاماً حقيقياً، ودعماً دولياً جاداً، قبل كل شيء، إرادة سودانية لا تنكسر لإعادة بناء العاصمة… وإعادة الثقة في الغد.

خالد العبيد

محرر متخصص في تغطية الأخبار العاجلة والموضوعات الساخنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى