تقارير وحوارات

هل تملك الدوحة مفاتيح الخروج من «متاهة »الحرب السودانية؟

الدوحة: بهاء الدين عيسى
لم تكن مراسم الاستقبال المهيبة التي حظي بها رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، في “الديوان الأميري” بالدوحة الثلاثاء مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر؛ بل هي في جوهرها “رسالة سياسية مشفرة” في بريد القوى الإقليمية والدولية.

الزيارة التي انعقدت في السابع والعشرين من يناير 2026، تأتي في توقيت «بالستيك » وحرج للغاية؛ حيث يتقاطع أزيز الرصاص في جبهات القتال مع صمت المبادرات الدولية، لتعيد طرح السؤال القديم الجديد: هل قررت الخرطوم أخيراً المراهنة على “المفاتيح القطرية” لفك استعصاء الحرب التي تنهش جسد البلاد؟

كواليس الوفد: “غرفة عمليات” سيادية في الدوحة
القراءة الفاحصة في قائمة الوفد المرافق للبرهان تكشف حجم “الثقل الاستراتيجي” لهذه المهمة؛ فوجود وزير الخارجية السفير محي الدين سالم، بجانب “مايسترو” المالية الدكتور جبريل إبراهيم، ومحافظ البنك المركزي الدكتورة آمنة ميرغني، يشير بوضوح إلى أن السودان يطرح ملفات “بقاء الدولة” على طاولة الأمير تميم بن حمد.

ومن وجهة نظري فإن حضور الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، مدير جهاز المخابرات العامة، يمنح الزيارة بعداً أمنياً عميقاً يتعلق بتنسيق المواقف تجاه المهددات العابرة للحدود. إننا أمام “وفد إدارة أزمة” بامتياز، يسعى لانتزاع ضمانات سيادية وسياسية تمنع الانهيار الكامل، خاصة بعد أن تجاوزت فاتورة خسائر الحرب حاجز الـ 100 مليار دولار، وسط تآكل مريع في قيمة العملة الوطنية وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية.

توازنات المحاور: عبء “الإرث” ومقاومة« تأسيس»
لكن، وخلف أروقة الدبلوماسية الناعمة، يبرز التحدي الحقيقي الذي يجعل من قطر «رهاناً شائكاً »؛ فثقة الخرطوم في الدوحة ليست وليدة الصدفة، بل تمتد جذورها إلى إرث من التحالفات الاستراتيجية التي صمدت منذ عهد النظام السابق، حيث كانت الدوحة الوجهة المفضلة والقاعدة السياسية الموثوقة للإسلاميين السودانيين.

هذا “الإرث” هو ذاته الذي يضع الدور القطري اليوم تحت مجهر التشكيك من قبل الطرف الآخر؛ إذ تنظر قوات الدعم السريع وائتلاف « تأسيس» بريبة شديدة لأي تحرك قطري، معتبرين إياه محاولة لإعادة إنتاج التوازنات القديمة لصالح التيار الإسلامي وحلفائه في المؤسسة العسكرية. وهنا يكمن الاختبار الحقيقي للدبلوماسية القطرية: كيف يمكن للدوحة أن تسوق نفسها كـ “وسيط نزيه” وقادر على فك شيفرة الحرب، بينما يراها المحور المقابل حليفاً تاريخياً لخصومهم؟ إنها “مقامرة سياسية” يسعى من خلالها البرهان لتوظيف هذا الثقل لصالحه،

مستفيداً من الزخم الميداني بعد فك حصار مدينة “الدلنج” ليؤكد أن الدولة بمؤسساتها التقليدية هي الطرف الوحيد المؤهل لفرض الاستقرار.

السيناريوهات المستقبلية: ما بعد محطة الدوحة
تضع هذه الزيارة الأزمة السودانية أمام ثلاثة مسارات حاسمة:

الأول: الاختراق الدبلوماسي؛ نجاح قطر في تذويب جليد التشكيك لدى القوى المدنية والدولية وقيادة « مسار دوحة 2 » بضمانات دولية.

الثاني: دعم الصمود السيادي؛ تأمين “وديعة سيادية” وتسهيلات بنكية عاجلة تضمن صمود الاقتصاد أمام شبح المجاعة الذي يتهدد ملايين السودانيين.

الثالث: تجميد الصراع؛ وهو المسار الأكثر قتامة، حيث تتحول الأزمة إلى نزاع منسي طويل الأمد، تكتفي فيه القوى الإقليمية بإدارة الملف إنسانياً دون حل سياسي جذري.

إن جلسة المباحثات بالديوان الأميري أكدت أن قطر تظل “الرئة” السياسية التي يتنفس من خلالها السودان في أزماته الكبرى. مفاتيح الحل لم تعد عسكرية فحسب، بل أصبحت رهينة بمدى نجاح الدبلوماسية في تحويل “الروابط الأزلية” إلى فعل سياسي يوقف نزيف الدم. وكما أشرنا دائماً، فإن العبرة ليست في “حفاوة الاستقبال”، بل في مدى قدرة مخرجات هذه القمة على التحول إلى “خبز وأمان” في شوارع السودان المنكوبة.

بهاء  الدين عيسى

صحفي سوداني بارز، نال جائزة “أفضل إنجاز صحفي” ضمن مشروع كلمات سودانية من المؤسسة الفرنسية للتنمية، يُعرف بجرأته في التحقيقات الاستقصائية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى