تقارير وحوارات

لجوء تحت الضغط.. القاهرة والخرطوم في مواجهة «أزمة الهوية» القانونية

تقرير ـ بهاء الدين عيسى – الراي السوداني
تقف العلاقات المصرية السودانية عند منعطف حرج، حيث تتجاوز أزمة الوجود السوداني في مصر مجرد «توفيق أوضاع قانونية» لتتحول إلى معضلة سياسية وإنسانية معقدة. فبينما تحاول الدبلوماسية الرسمية تهدئة المخاوف، تتصاعد صرخات القوى المدنية والخبراء من مغبة تحول الإجراءات الأمنية إلى “خسارة استراتيجية” للقوة الناعمة المصرية.

واجهة دبلوماسية وتحديات ميدانية

في مؤتمر صحفي الجمعة اتسم بالحذر، حاول السفير السوداني بالقاهرة، الفريق أول ركن عماد الدين عدوي، تفكيك ما وصفه بـ «أوهام »التضييق المتعمد. السفير، الذي يقود دفة الدبلوماسية في توقيت شديد الحساسية، وضع الوجود السوداني ضمن إطار “السيادة الوطنية المصرية”، مؤكداً أن الإجراءات تشمل جميع الأجانب.

إحصائياً، يمثل السودانيون اليوم أكبر جالية أجنبية في مصر، وهو ما يفرضه الواقع الميداني الذي يعيد رسم الخارطة الديموغرافية في مدن كبرى مثل القاهرة والجيزة.

تحليل بياني: فجوة الأرقام والواقع

تُظهر البيانات المتاحة تبايناً حاداً يعكس عمق الأزمة القانونية:

إجمالي الوجود السوداني (تقديرات رسمية): 6 ملايين شخص.

المسجلون لدى مفوضية اللاجئين: 650 – 700 ألف فقط.
الفارين منذ اندلاع الحرب (أبريل 2023): 1.5 مليون شخص.

هذه الفجوة الرقمية (نحو 5 ملايين شخص خارج مظلة الحماية الدولية الرسمية) هي “المنطقة الرمادية” التي تنطلق منها حملات التوقيف.

فالبطء في إجراءات التسجيل الأممية جعل آلاف الأسر في مواجهة مباشرة مع قوانين الإقامة المصرية المشددة، مما حول رحلة البحث عن الأمان إلى ملاحقة قانونية.

تحذيرات من «الترحيل القسري»

دخلت القوى السياسية السودانية على خط الأزمة بقوة؛ حيث وصف التحالف المدني «صمود» عمليات الإعادة بأنها “مخاطرة محققة بالحياة”، نظراً لاستمرار العمليات العسكرية في السودان.

هذا الطرح يتقاطع مع دعوة حزب الأمة (قيادة مبارك الفاضل) لمنح «مهلة إنسانية» لمدة شهرين، في محاولة لامتصاص الاحتقان الناتج عن المداهمات الأمنية في مناطق مثل فيصل وحدائق الأهرام.

فخ خسارة «القوة الناعمة»

حذرت الدكتورة أماني الطويل، الخبيرة في الشأن السوداني، من أن مصر قد تقع في “فخ” أمني يُفقدها رصيدها التاريخي لدى السودانيين.

وتتلخص رؤيتها في ثلاث نقاط استراتيجية:

طرف ثالث: هناك استغلال إلكتروني للإجراءات الأمنية لتزييف الوعي الجمعي السوداني ضد مصر.

الأمن الإنساني: العودة حالياً ليست “طوعية” بل “مقامرة”، خاصة مع تسجيل وفيات لعائدين حاولوا استئناف حياتهم في مناطق النزاع.

الميل الأخير: مصر في نهاية مشوار الاستضافة، وأي تعامل خشن في هذه المرحلة قد ينسف سنوات من الدعم الإنساني.

نحو حلول عابرة للحدود

إن الحل لا يكمن فقط في الإجراءات الأمنية، بل في “مبادرات خارج الصندوق” تتطلب تنسيقاً إقليمياً (مصرياً – سودانياً – سعودياً) لتحسين الوضع البيئي والصحي داخل المناطق الآمنة في السودان لتهيئة العودة الحقيقية.

حتى ذلك الحين، تظل الـ 400 حالة سجناء التي ذكرها السفير عدوي، وآلاف المهددين بالترحيل، هم الاختبار الحقيقي لقدرة القاهرة على الموازنة بين “هيبة القانون” و”التزامات الجوار والأخوة”.

بهاء  الدين عيسى

صحفي سوداني بارز، نال جائزة “أفضل إنجاز صحفي” ضمن مشروع كلمات سودانية من المؤسسة الفرنسية للتنمية، يُعرف بجرأته في التحقيقات الاستقصائية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى