
خناجر « مينجي» ورهان أديس أبابا: قراءة في تشريح “الخاصرة” السودانية الشرقية
بقلم: بهاء الدين عيسى – موقع الراي السوداني
لم يعد الحديث عن تورط أطراف إقليمية في الحرب السودانية مجرد “اتهامات سياسية” تتقاذفها غرف الإعلام، بل تحول إلى “واقع جيومكاني” موثق بالأقمار الصناعية ومسنود ببرقيات دبلوماسية مسربة.
تقرير وكالة “رويترز” الأخير حول بناء إثيوبيا لمعسكر تدريب سري لمقاتلي قوات الدعم السريع بدعم إماراتي، يمثل “نقطة تحول” جوهرية تعيد رسم خارطة النزاع من “حرب سلطة” إلى “إعادة هندسة إقليمية”.
أولاً: مثلث “أصوصا – مينجي”.. سيادة تحت الطلب
يكشف التقرير عن بناء معسكر في منطقة “مينجي” بإقليم بني شنقول بالقرب من الحدود السودانية. لكن الخطورة لا تكمن في المعسكر فحسب، بل في تحويل مطار أصوصا إلى قاعدة عمليات للمسيرات بإشراف إدارة الاستخبارات الدفاعية الإثيوبية.
هنا، نحن أمام “خصخصة عسكرية” صريحة؛ حيث تشتري الأموال الإماراتية “عمقاً سيادياً” داخل إثيوبيا لتوفير غطاء جوي ولوجستي لقوات الدعم السريع، بعيداً عن أعين الرصد التقليدي داخل السودان.
ثانياً: سد النهضة.. الدرع الجيوسياسي
بذكاء إستراتيجي حاد، اختير موقع المعسكر ليكون على مسافة قريبة من سد النهضة. هذا الموقع يوفر “حصانة تلقائية” للمقاتلين؛ فأي محاولة من سلاح الجو السوداني لاستهداف هذه الحشود قد تُصنف دولياً كتهديد لسلامة جسم السد، مما يضع الخرطوم في مواجهة مع المجتمع الدولي. إثيوبيا هنا لا تستضيف معسكراً فحسب، بل تستخدم “أيقونتها القومية” كدرع لحماية حلفاء أبوظبي.
ثالثاً: سلاسل التوريد الصامتة.. التمويل الموازي
رصد شاحنات تتبع لشركات خدمات لوجستية إماراتية وهي تنقل المعدات عبر “أصوصا” يفك شفرة التمويل. إنها “سلسلة توريد متكاملة” تبدأ من الموانئ وتمر عبر الخزينة الإثيوبية المرهقة التي انتعشت بالمساعدات، لتنتهي كقوة ضاربة على حدود النيل الأزرق. هذا الدعم اللوجستي المستمر هو ما يفسر صمود قوات الدعم السريع قتالياً رغم تضرر خطوط إمدادها التقليدية.
رابعاً: النيل الأزرق.. الجبهة الجديدة و”بلقنة” السودان
التحليل العميق لاستقطاب عناصر من الحركة الشعبية ومقاتلين عابرين للحدود، يشير إلى خطة لـ “تفتيت الدولة من الأطراف”. الهدف هو خنق السودان من “خاصرته الشرقية” في ولاية النيل الأزرق، وهي منطقة غنية بالموارد، مما يعني تحويل الحرب إلى استنزاف جغرافي يهدف في النهاية إلى إخضاع الإقليم كلياً لنفوذ المحور المشترك بين أديس أبابا وأبوظبي.
إن ما كشفته رويترز هو “صافرة إنذار” أخيرة. السودان اليوم يواجه “تحالفاً جيوسياسياً” يستخدم الأرض الإثيوبية كقاعدة انطلاق، والمال الإماراتي كمحرك، والمسيرات كذراع ضاربة. الصمت الدولي حيال هذه التحركات يعني مباركة ضمنية لتمزيق الخارطة السودانية، وهو ما يستدعي تحركاً ديبلوماسياً وعسكرياً سودانياً يتجاوز الأطر التقليدية للردع.











