تقارير وحوارات

تصدع «دبلوماسية التوازن» : السعودية والسودان وصراع الأجندات المتقاطعة

بهاء الدين عيسى
يبدو أن «دبلوماسية الصبر الجميل» التي انتهجتها الرياض تجاه الملف السوداني قد بلغت مداها الأقصى، حيث يشي البيان السعودي الصادر السبت الذي أدان استهداف القوافل الإنسانية بتحول جذري من دور “الوسيط المحايد” إلى دور “الفاعل الحاسم”. هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن القلق السعودي المتنامي من تحول السودان إلى ثقب أسود أمني يهدد طموحات المملكة الاقتصادية والجيوسياسية على ضفاف البحر الأحمر.

فالرياض التي تستثمر مليارات الدولارات لتحويل ساحلها الغربي إلى وجهة عالمية، ترى في أي اضطراب مستدام على الضفة المقابلة تهديداً وجودياً لمشاريعها، مما دفعها للخروج من عباءة الكلمات الدبلوماسية المواربة إلى لغة الإدانة المباشرة التي تستهدف تحجيم النفوذ العسكري لقوات الدعم السريع ووضعها تحت مجهر المحاسبة الدولية.

هذا الحزم السعودي يحمل في طياته رسائل مشفرة تتجاوز حدود الخرطوم لتصل إلى أبوظبي. فالتنافس الصامت على النفوذ الإقليمي بين القطبين الخليجيين يجد في السودان ساحة اختبار كبرى؛ حيث تميل الرياض تقليدياً إلى دعم “مؤسسات الدولة” المركزية لضمان الاستقرار الكلاسيكي، بينما تُتهم الإمارات بتبني مقاربات أكثر مرونة مع القوى الصاعدة خارج إطار المؤسسة العسكرية التقليدية.

ومن هنا، يبرز الموقف السعودي الأخير كحائط صد أمام أي محاولة لإعادة صياغة الخارطة السياسية السودانية بما لا يخدم الرؤية السعودية، وكأنه إعلان صريح بأن أمن البحر الأحمر هو “خط أحمر” لا يخضع للمساومات الإقليمية أو التحالفات التكتيكية.

في المقابل، جاء رد “حكومة السلام” الموالية لقوات الدعم السريع برئاسة محمد حسن التعايشي ليعكس حالة من “التمرد الدبلوماسي” على الوصاية الإقليمية. فاستخدام لغة حادة تجاه المملكة يمثل محاولة لانتزاع اعتراف بالندية السياسية، ورفضاً قاطعاً لتصنيف القوى التابعة للدعم السريع كـ “مليشيات” خارجة عن القانون.

لقد استند رد “حكومة السلام” إلى استراتيجية “الهجوم المضاد” عبر نبش جذور الصراع وربط الجيش بالتيارات الإسلامية، وهي محاولة لابتزاز الموقف السعودي عبر تخويفه من “البعبع” الإيديولوجي الذي تخشاه الرياض تاريخياً. إن هذا الاشتباك الكلامي يؤكد أن السودان لم يعد ساحة لحرب داخلية فحسب، بل صار مسرحاً لتصفية حسابات إقليمية معقدة، حيث تحاول كل جهة رسم “شرعيتها” عبر فوهة البندقية ومنصات الإعلام الدولية.

إن هذا المشهد الضبابي يضع المنطقة أمام مفترق طرق؛ فإما أن تنجح السعودية في فرض إرادتها كـ “شرطي للمنطقة” يعيد الجميع إلى طاولة المفاوضات بشروط الدولة المركزية، أو أن ينجح الطرف الآخر في خلخلة هذه الرؤية عبر استنزاف الوقت وفرض واقع ميداني جديد. الأكيد هو أن “بيان الإدانة” السعودي ورد “حكومة تأسيس” العنيف قد أزاحا الستار عن حقيقة أن التوافق الخليجي حول السودان هو توافق هش، وأن الصراع على هوية السودان القادمة هو في جوهره صراع على من يملك مفاتيح القرار في حوض البحر الأحمر وممرات التجارة العالمية.

بهاء  الدين عيسى

صحفي سوداني بارز، نال جائزة “أفضل إنجاز صحفي” ضمن مشروع كلمات سودانية من المؤسسة الفرنسية للتنمية، يُعرف بجرأته في التحقيقات الاستقصائية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى