كنابي مشروع الجزيرة .. القنبلة الموقوتة !!

0 29

- الإعلانات -

قضية الكنابي في السودان وجدت إهتمام الكثيرين لما تمثله من إشكالية شغلت الرأي العام بعد أن تكشفت الكثير من جوانبها اللا إنسانية وبعض المسكوت عنه بمنطق هذا العصر فهي تشكل قضية حقوق انسان برزت الي السطح بعد الإنهيار الذي حدث للزراعة وللمشاريع الزراعية وعلى وجه الخصوص مشروع الجزيرة . من منطلق النظرة الاقتصادية الاجتماعية ، يشكل سكان الكنابي (فئة)العمال الزراعيين الذين خلقوا فائض القيمة في الانتاج الزراعي (ينتجون الذهب و نصيبهم التراب) . هذه (الطبقة ) لها القدح المعلى في الانتاج ولكنهم لم يجدوا الاهتمام لا من الحكومة ولا حتي من الكتاب و الباحثين واجهزة الاعلام المختلفة غير محاولات متفرقة هنا و هنالك إلا أن ابرز عمل جاد يمثل رؤية علمية تهدف الي استنهاض هذه الطبقة و تنظيمها لتصبح فاعلة في تغيير علاقات الانتاج التي ساهمت في اضطهادهم و عزلهم عن بقية مكونات طبقات وفئات الانتاج الزراعي ، حول هذا الخصوص كتب الاستاذ يوسف عبدالمجيد قبل نصف قرن تقريبا في سفره العظيم (أجراء الريف ) بحث علمي مميز جدير بالقراءة قائم علي منهج الصراع الطبقي و قوانيته ،تناول طبقة العمال الزراعيين من حيث دورهم في الانتاج و مدي الاستغلال الواقع عليهم تاريخيا منذ قيام الشركات الزراعية و مشروع الجزيرة حتي تدهوره الآن لتبدأ مرحلة جديدة ارتبطت بالأوضاع الاجتماعية التي بدأت تتداخل فيها ابعاد هي الاقرب الى انتهاكات الحقوق الانسانية بعد انهيار العلاقة الانتاجية بسبب ما حدث لمشروع الجزيرة وبقية المشاريع الزراعية الاخرى لتصبح قضية العمال الزراعيين قضية انسان يسكن في بيئة الكنابي يواجه حياة متردية لا آدمية تفتقد لأهم و أبسط المقومات التي من المفترض ان توفر للانسان من سكن مناسب و الحصول على خدمات المياه النظيفة والكهرباء وأبسط الخدمات الصحية والتعليمية وصحة البيئة على الرغم من وجود هذه الكنابي التي يسكنها هؤلاء العمال الزراعيين في وسط البلاد بالقرب من تمركز كل الخدمات إلا أن واقعهم كمن هم وراء التخلف بقرون . لاستجلاء الحقيقة كاملة كان لابد لهذا التحقيق من الاستهداء بما في جعبة الاستاذ جعفر محمدين عابدين أمين عام مؤتمر الكنابي بالسودان لتسليط الضوء على هموم وقضايا مطلبية تمثل منفستو المؤتمر و المساهمات الجادة للاستاذ صديق عبدالهادي بمناسبة يوم الارض 21 أكتوبر 2018 بقرية معيجنة ، مساهمة اصبحت في كتيب من ضمن منشورات تحالف مزارعي الجزيرة و المناقل في قطع صغير من 50 صفحة إستعان الكاتب بحوالي 38 مرجع علمي لتخرج الورقة مادة دسمة تحتوى على حقائق غائبة على الكثيرين و معلومات في غاية الاهمية للفهم الصحيح لقضايا مشروع الجزيرة و بالتالى رؤى مستقبله .

اللمحة التاريخية لقيام هذه الكنابي ؟

ظهور سكان الكنابي في وسط السودان بالأخص ولاية الجزيرة قديم كقدم المشروع أو قبل قيام مشروع الجزيرة .الهجرة الاولي بدأت في عهد الثورة المهدية فبعد فتح الخرطوم عام 1885 تدفقت مجموعات كبيرة من أبناء دارفور وكردفان مناصرة للثورة المهدية فسكن البعض منهم في الخرطوم والبعض الآخر انتشروا في المناطق المجاورة للعاصمة بعد أن ضاقت أمدرمان . بعد سقوط الدولة المهدية انسحب الكثير من ابناء دارفور وكردفان بعد أن قطع عليهم الجيش الانجليزي طريق العودة إلى الغرب فكانت هذه أول دفعة تسكن ولاية الجزيرة حتى قبل قيام مشروع الجزيرة وتحديدا عام 1911 في طيبة الشيخ عبدالباقي اول تجربة لقيام مشروع الجزيرة بالطلمبات .الدفعة الثانية من سكان الكنابي ..دخلت الجزيرة مع بداية قيام مشروع الجزيرة سنة 1924الي 1936 أغلبهم امتلكوا حواشات إلا أنهم رغم ذلك يعانون من التهميش والإقصاء ونقص في الخدمات إلى يومنا هذا . المجموعة الثالثة دخلت الجزيرة عام 1984 بسبب الجفاف والتصحر الذي ضرب غرب السودان آنذاك وتعتبر هذه المجموعة من أكثر مجموعات الكنابي تهميشا وأكثرهم معاناة في كل المجالات الخدمية ، يقتلهم الفقر والجهل والمرض .

التحوالات الديموغرافية لسكان الكنابي في الجزيرة

تعداد سكان ولاية الجزيرة حسب احصائية أجريت في سنة 2008 كان 3.585.270 نسمة اما اليوم يقدر التعداد السكاني لولاية الجزيرة وفق نظرية الاسقاطات السكانية بعض انفصال الجنوب يقدر بحوالي 5 مليون .أما تعداد سكان الكنابي وفق إحصائيات قامت بها مجموعة من ناشطين سياسيين وحقوقيين من قيادات مؤتمرالكنابي وبعض المنظمات الدولية الحقوقية يؤكدون بأن تعداد سكان الكنابي في الجزيرة بلغ عددها 2.373.524 نسمة يسكنون في كنابي عددها 2095كمبو منتشرة على امتداد محليات الولاية بينما يبلغ عدد قرى الجزيرة أجمع 1572 قرية هذه الصورة تؤكد مدى الانفجار السكاني الضخم في هذه الكنابي الامر الذي يتطلب اهتمام مبكر قبل ان يحدث ما لم يكن متوقعا .

الاوضاع الراهنة في الكنابي

أزمة الكنابي تتنامي كل يوم من سيء إلى الأسوء والأوضاع الإنسانية والصحية فيها مزرية للغاية وتعدت حد الاحتمال وبدأت ملامح هذه المعضلة قبل ثمانية عقود ونيف من الزمان ولم يسلط الضوء على هذه المشكلة طيلة هذه الفترة لأسباب كثيرة ومتعددة وسنعرض لاحقا لمجمل الأوضاع اللا إنسانية السيئة المتراكمة التي التصقت بالكنابي في السكن والصحة والتعليم. بالإضافة الى الإقصاء والاستعلاء .كل هذه الاوضاع انعكست في الشعور بالظلم و التهميش والذي سيشكل منهج في تفكير الاجيال القادمة و هنالك محاولات في مؤتمر الكنابي لإزالة هذه الصورة الشائهة والسالبة .

مؤتمر الكنابي

الشعور بالتهميش والإقصاء في الحياة العامة و النظرة الاستعلائية التي يشعر بها انسان الكنابي بالاضافة الي المحسوبية والمحاباة وتغييب انسان الكنابي في كافة النواحي السياسية والاجتماعية حيث صار انسان الكنبو مجرد صوت لا ينطق تتهافت عليه القوي السياسية في موسم الانتخابات مقابل وعود لا ترى النور وكان لابد من وقف هذا التردي و مسح الصورة السلبية و المفاهيم الخاطئة عن انسان الكنابي من أجل ان يحتل مكانته الطبيعية في المجتمع مثل سائر التكوينات المجتمعية والتعامل بالبعد الانساني مع قضية انسان الكنابي من أجل ازالة الفوارق الاجتماعية المتوهمة و توفير الحد الادني من المطلوبات في الخدمات كالمياه النظيفة والكهرباء وصحة بيئة وعلاج و توفير وسائل الانتقال و المواصلات خاصة في فترة الخريف حيث يتعذر الوصول الي المستشفيات في الحالات الطارئة .

ابرز التحولات

معروف أن هنالك فئات من سكان كنابي مشروع الجزيرة تحسنت أوضاعهم لاهتمامهم بالزراعة التي أهملها أصحاب الحواشات ليصبح سكان هذه الكنابي بالمشروع مرتبطين بالزراعة و بعد أن كانوا شركاء مع المزارعين بدأوا يتجهون نحو (الدّنْقَدَة) وهي إجارة الأرض من أصحابها ليقوموا بزراعتها . يمثل سكان هذه الكنابي كميونة أسرية اقتصادية متكاملة تشتمل على الإنتاج النباتي والبستاني والحيواني ولعلهم قد نجحوا في ما قد فشلت فيه إدارة المشروع بالتالي أي محاولة لإصلاح مشروع الجزيرة ما لم تتخذ من تجربة سكان هذه الكنابي مدخل لعلاج أزمة المشروع لن يكتب لها النجاح و فوق كل هذا بدأ يلوح واقعا جديدا لهذه الكنابي جدير بالتوقف حياله ، قيام اعداد من الاسر الاهتمام بتعليم ابنائهم واصبح ذلك هدف اساسي اثمر عن ظهور اجيال متعلمة في كافة المجالات العلمية المختلفة فيهم الاطباء و المهندسين و والفنيين والحرفيين وغالبيتهم هاجر واغترب ساهموا في الاهتمام باهلهم سكان الكنابي .

نتائج و مقررات مؤتمر القاهرة ؟

تناول مؤتمر الكنابي (القاهرة 2013) مجمل قضايا انسان الكنابي المتعلقة بالتهميش وتوصل الي ضرورة توفير الخدمات الاساسية بالمشاركة في كافة الفعاليات من اجل اعلاء قضية انسان الكنابي باعتبارها قضية رأي عام و نادى المؤتمر ايضا بضرورة تكوين اجسام مطلبية في الداخل والخارج حيث اسفر عن تكوين مكتب للشرق الأوسط و مقره القاهرة بالاضافة الي مكاتب في الامريكتين واستراليا و مكتب الاتحاد الاروبي بالإضافة الى مكتب الداخل المكون من أمانات الولايات في الجزيرة ، سنار ، النيل الابيض ، النيل الازرق ، الشرق (كسلا وبورتسودان ) والقضارف والخرطوم . كل هذه الامانات تنبثق منها فروع في المحليات والوحدات الادارية وكلها تتبع لمؤتمر عام الكنابي الذي تقوده الامانة العامة وهي حاليا امانة مكلفة الي حين انعقاد المؤتمر العام الذي من المؤمل انعقاده في القريب العاجل .

القضايا العاجلة

مجموع عدد كنابي الولايات الوسطي بلغ حوالي 3 الف كنبو تتمركز حول المشاريع الزراعية واهمها مشروع الجزيرة الذي تقدر عدد الكنابي به 2095 كنبو يسكنها حوالي 2 مليون و 495 الف مواطن جميعهم يعانون من عدم توفر المتطلبات الاساسية في السكن والصحة والتعليم و مياه الشرب . السلطات التنفيذية التي لم تبد أي تعاون او إهتمام بل علي العكس تدخلت السلطات بمنع مواطني بعض كنابي الجزيرة من البناء في اراضي قاموا بشرائها من حر مالهم وتم ازالة ما قام من بناء مثل ما حدث في كنبو 84 ودعابد المناقل و كمبو قنطرة الفقرا بالحصاحيصا وكمبو دار السلام المغاربة في المعيلق و كنبو طيبة جابر في قبوجة الجاموسي علي سبيل المثال .

مشروع السكن الاضطراري لتجميع الكنابي ؟

فكرة السكن الاضطراري تمت في عهد الوالي الاسبق الفريق عبدالرحمن سرالختم في عام 2005 وتم تخصيص مكتب لتنفيذ الفكرة من قبل سلطات اراضي الولاية وللاسف بعد أن جمعت الرسوم (مليارات) و وعود اطلقت تم حل جهاز السكن الاضطراري ولم تعد سيرة لهذا المشروع ولم يعرف حتي هذه اللحظة أين ذهبت الاموال التي جمعت لهذا المشروع وعموما الفكرة من اولها بغيضة من كلمة إضطراري حيث يستحق سكان تلك الكنابي سكنا مستقرا غير اضطراري.

مساهمة جادة لقضية العمال الزراعيين !!

يحتوى الكتيب الذي دفع به الاستاذ صديق عبدالهادي حول العمال الزراعيين بمشروع الجزيرة ( سكان الكنابى)على مقدمة حول ارتباط العمال الزراعيين بمصير المشروع و عرّفهم بالطرف الرابع في عقد الشراكة بالمشروع بجانب المزارعين ، الحكومة وإدارة المشروع.
تناولت الدراسة جانب المسكوت عنه في علاقات الانتاج و شراكة العمال الزراعيين وحقوقهم كشركاء والتركيبة القانونية التي تحرمهم من توريث الحواشة والاتهامات المتبادلة حول جانب من العلاقات يغلب عليها الجانب العنصري والإقصائي ، اسفرت عنه إندلاع مواجهات عنيفة في بعض القرى و الكنابي ، الجانب الآخر يرى في ابناء العمال الزراعيين رصيدا للحركات المسلحة في الخارج . الدراسة ركزت على أهم قضايا العمال الزراعيين خاصة البيئة الطاردة و الغير صحية في (الكنابي) بجانب تفشي الامية و الفقر المطبق . الدراسة وضعت منهج علمي لمعالجة قضايا و مشاكل العمال الزراعيين بإعمال مبدأ (الوعي الإيجابي المضاد) الذي يقوم على الاعتراف بوجود المشكلة أولا ، و أن قضية العمال الزراعيين قضية إقتصادية ،إجتماعية و سياسية ،ثالثا ، لابد من كسب العمال الزراعيين الى جانب قضايا المزارعين و المشروع . رابعا ، العمل على جذب المواطنين في القرى و الكنابي لممارسة حقهم فى العمل السياسي و الإجتماعى والتعاوني . خامسا ،استصحاب مواطني الكنابي في المشاريع الخدمية و ترسيخ التعايش و التساكن القائم على التعددية . سادسا إعادة الثقة لمواطنى الكنابي و طلائعهم لأن قضايا العمال الزراعيين جزء لا يتجزأ من قضايا مشروع الجزيرة و السودان يجب أن تجد الاهتمام من كل افراد و فئات الشعب السوداني و المثقفين و المهتمين بمستقبل المشروع والبلاد بأسرها .

الدور الذي يلعبه انسان الكنابي في دعم الاقتصاد القومي ؟
انسان الكنابي ارتبط من البداية بالزراعة في القطاعين المروي والمطري وهم الآن عماد العمال الزراعيين في السودان وعلى عاتقهم يقع عبء ترقية الانتاج والانتاجية في المشاريع الزراعية بعد ان هجر معظم المزارعين العمل بالزراعة ليقوم سكان الكنابي وخاصة المرأة بدور كبير في انتاج المحاصيل الزراعية الرأسمالية والغذائية الاخرى وفي سبيل ذلك تحملوا كل تبعات الظروف السيئة بالمشروع و تأثيرات التعرض المباشر وغير المباشر للمبيدات السامة و ظهور الكثير من حالات السرطانات والفشل الكلوي وامراض الكبد الوبائي . بعد انهيار المشاريع الزراعية حدث تحول ديموغرافي وسط سكان الكنابي بالنزوح الى المدن واشباه المدن لمزاولة الاعمال الهامشية وقطاع كبير منهم اصبح يشكل 70% من جملة العاملين في التعدين الاهلي عن الذهب لتحل المرأة في الكنابي مكانهم كعاملات زراعيات.العمال الزراعيين في تلك الكنابي اصبحوا المنتجين الرئيسيين للخضر و تزويد العاصمة والمدن المجاورة باحتياجاتهم .

حلول عملية ؟ ..

أولا.. لا بد من الاعتراف بأن الكنابي جزء من النسيج الاجتماعي باعتبارها قوة اقتصادية داعمة للاقتصاد الوطني.
ثانيا.. لابد من مسح ميداني لكل الكنابي الموجودة على طول المشروع و عرضة .
ثالثا..اعادة توزيع الكنابي ذات المساحات الصغيرة على الكنابي ذات المساحات الكبيرة.
رابعا .. تحديد حرم لكل كمبو حتى إضافة الكنابي الموجودة داخل البراقين.

خامسا …في كل محلية لابد من انشاء مكتب مختص لشؤون الكنابي يكون بإشراف من المكتب الولاية

سادسا .. تعيين لجان لكل كمبو تكون للجنة مسؤولية مباشرة لعملية حصر الكنابي بالتنسيق مع المكتب الولاية

سابعا .. دمج الكنابي في المجتمع المحلى منعا للخلافات والاحتكاكات مع أهالي القرى

ثامنا .. إشراك أبناء الكنابي في السلطة التشريعية والتنفيذية في مشاركة العملية السياسية في البلاد

هذه بعض التوصيات والحلول العملية بموجبها يتم تحويل الكنابي إلى قرى نموذجية وبالتالي سيتم معالجة قضية الكنابي وإنسانها بشكل عصري متقدم كما يري بذلك مؤتمر الكنابي في خارطة الطريق التي وضعت لقضية الكنابي بالسودان .

تحقيق: حسن وراق

صحيفة الجريدة

تعليقات
Loading...