قراءة في خطاب “الخريجي”..
السعودية والسودان .. نهاية الحياد وبداية التموضع الإقليمي..
رشان اوشي
في السياسة، تفسر المواقف ليس بحدة التصريحات، بل بتوقيت البوح، من هذا المنظور، تكتسب تصريحات نائب وزير الخارجية السعودي “وليد الخريجي” بشأن السودان دلالتها الأعمق؛ هي في ظاهرها إدانة للحـ ـرب و رفض للحكومة الموازية، وفي جوهرها إعلان انتقال من المنطقة الرمادية إلى فضاء الوضوح السياسي.
الحـ ـرب في السودان، كما وصفها الخريجي، لم تعد شأن داخلي قابل للاحتواء عبر مفاوضات ووساطات، بل تحولت إلى متغير مهـ ـدد للاستقرار الإقليمي، يـ ـنسف معادلات الأمــــ ـن في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
هذا التوصيف يضع الأزمـ ـة السودانية في إطارها الحقيقي: صـ ـراع سيادة في مواجهة حـ ـرب وكالة، ودولة وطنية في مواجهة مليـ ـشيـ ـات قـ ـتلة مأجـ ـورين عابرين للحـ ـدود، تغذيـ ـهم الأمـ ـارات عبر شبكات السـ ـلاح.
رفض المملكة السعودية القاطع لإعلان “تحالف تأسيس” وتشكيل حكومة موازية يمكن قراءته باعتباره دفاع عن مبدأ مركزي في العقل السعودي الحاكم، هو وحدة الدولة وشرعية مؤسساتها. فالحكومات الموازية من أدوات تفـ ـكيك وتقويض الدول من الداخل وتحويلها إلى ساحة مفتوحة لصـــــ ـراعات النفـ ـوذ . من هنا، يصبح الموقف السعودي دفاع عن فكرة الدولة ذاتها، لا عن طرف سياسي بعينه.
الأهم في خطاب “الخريجي” هو تركيزه على ضرورة منع التدخلات الخارجية ووقف الدعم العسكري غير المشروع. هذه الإشارة، في لغة العلاقات الدولية، تعد تشخيص مباشر لجوهر الأزمة: السودان لا يخوض حـ ـرب أهـ ـلية تقليدية، بل عقدة في شبكة صـ ـراعات إقليمية، أستثمرت الأمـ ـارات في الملـ ـيشيـ ـات كأدوات ضغـ ـط، لتحقيق مكـ ـاسب جيوسياسية واقتصادية. وفي هذا السياق، تبدو السعودية أكثر صـ ـراحة من أي وقت مضى في رفض النهج الذي حول الساحل الإفريقي إلى مسرح للفوضـ ـى المصنوعة بواسطة اذرع “ابوظـ ـبي” وامـ ـوالها السياسية.
هذا التحول في الموقف السعودي يكتسب ثقله من موقع المملكة نفسه؛ فهي دولة محورية في الإقليم، ذات ثقل اقتصادي وسياسي وأمني، اعتادت تاريخياً انتهاج سياسة الحياد الحذر. غير أن تجارب العقد الأخير، لا سيما أحداث اليمن، أثبتت أن الحياد في بيئة إقليمية مسيسة بالسـ ـلاح قد يتحول إلى كلفة استراتيجية، وأن الصمت أحياناً يفسر بوصفه فراغ تشغله قـ ـوى أخرى لا تؤمن بحـ ـقوق الشعوب في الاستفادة من مـ ـواردها .
في المقابل، تقف القيادة السودانية أمام لحظة مفصلية. الانفتاح على الموقف السعودي، وبناء تحالفات دولية واضحة تقوم على مبدأ المصـ ـلحة الوطنية، لم يعد ترف أو خيارات قابلة للتفكير والإنتظار ، بل ضرورة وجودية.
سنوات الحـ ـصار والعـ ـزلة يجب أن تكون درساً كافياً للخروج من ضبابية المواقف إلى وضوح الخيارات، ومن سياسة رد الفعل إلى استراتيجية الفعل.
السودان اليوم لا يحتاج إلى وساطات رمادية، بل إلى اصطفاف دولي صـ ـريح يعـ ـيد تعريف الحـ ـرب بوصفها عـــــ ـدوان على السيادة، لا نـ ـزاع متكافئ بين أطراف. وفي عالم تحكمه المصـ ـالح لا النوايا، فإن الدخول في تحالفات دولية داعمة وقوية هو الشـ ـرط الأول لاستـ ـعادة الدولة.
محبتي واحترامي





