مقالات

عثمان ميرغني يكتب …. لماذا نهدر هذه الأموال ؟


حوالى 172 مليون دولار هي تكلفة التعدادين السكاني والزراعي التي أجازها مجلس الوزراء الانتقالي لينفذا في الفترة من هذا الشهر حتى نهاية العام 2024.. وعمليات التعداد شهدها السودان أكثر من مرة وفي كل تعداد كانت هناك أخطاء فادحة تؤدي في النهاية لاستخدام حسابات تقريبية للحصول على المعلومات ، وبالتحديد في أحد هذه التعدادات (تعداد 1970 ) ألغيت كل الأرقام التي جمعت بوساطة الآلاف من الكوادر التي شاركت في الإحصاء.
“التعداد السكاني” أو الزراعي” هو عمل ميداني مكلف وشاق وفيه تفاصيل فنية معقدة.. ولكن مهما كانت النتائج دقيقة فالعبرة ليست بالأرقام بل باستخدامات هذه الأرقام.. ما الذي تحققه أرقام التعدادين السكاني والزراعي عملياً في التطوير أو التخطيط أو حتى القرار الرسمي؟
المعلومات – أية معلومات – مهما كانت دقتها فهي ليست هدفاً في حد ذاتها، بل لاستخدامها في أعمال أو مشروعات أو دعم القرار الحكومي.
لنفترض أن الله وهبنا “خاتم المنى” الذي إذا مسحنا عليه بيدنا فإنه يقدم لنا معلومات السكان والزراعة بمنتهى الدقة ولحظياً.. ما الذي يتحقق من الحصول على هذه المعلومات؟
المعلومات مثل المياه، يمكن حجزها خلف سد الروصيرص أو سنار ولكن مهما كانت الكميات المحتجزة فهي لا تحقق ماهو مطلوب منها إذا لم تتوفر لها قنوات الري التي تنقلها الى “الحواشة” في مشروع الجزيرة، فالعبرة في المعلومات بـ”تدفقها” لا بتخزينها، باستخدامها لا بالحصول عليها.
وحتى أجهزة المخابرات العالمية التي ترصد مليارات النشاطات والمعلومات على مدار الساعة تدرك أن المحك هو في القدرة على “استهلاك” المعلومات لا الحصول عليها وتخزينها، كما حدث في العمليات الإرهابية 11 سبتمبر 2001 إذ اتضح أن بعض أفرع الاستخبارات الأمريكية حصلت على المعلومات المبدئية لكن الفشل في “استخدامها” وربطها بالمعلومات الأخرى أدى للإخفاق في توقع زمان ومكان العمليات التي ضربت برجي التجارة والبنتاجون.
في تقديري ، إنفاق هذه الأموال الضخمة في مشروع كبير لترقيم المساكن وتسمية الشوارع لتوفير عناوين حقيقية ودقيقة للسكان أهم كثيراً من الإحصاء السكاني، فتحديد عناوين المساكن بدقة يساعد في كثير من الإجراءات خاصة الرقم الوطني ، بل والانتخابات نفسها التي يستحيل فيها تحديد سكان الدائرة طالما أن السكان ينطبق عليهم قول الشاعر نزار قباني :
( فحبيبة قلبك يا ولدي ليس لها أرض أو وطن أو عنوان..)
أما التعداد الزراعي فالأمر يبدو أكثر غموضاً، فمن الممكن عن طريق المسح الفضائي أو الجوي الحصول على “التقديرات ” المطلوبة للتخطيط ، لكن بالضرورة لا يمكن لبلد مثل السودان أن يدير الزراعة بـ”التقديرات” أو “التعداد” المتباعد عبر السنوات.. لابد من نظم معلومات آلية مرتبطة بكل المجسات Sensors المتصلة بالنشاط الزراعي، من مؤسسات التمويل و موزعي مدخلات الزراعة ومقدمي خدمات الآليات الزراعية وغيرها.
من الحكمة أن ننظر للمعلومات أداة للتنمية وليس مجرد باقة ورد لتزيين صالون الحكومة .

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى