مقالات

عثمان ميرغني يكتب: سؤال عفوي بريء جدا..

في سنوات الجدب أيام الانقاذ.. كنا وفد صحفيا مرافقا لمسؤول رفيع في زيارته لمشروع الجزيرة.. على متن أربع طائرات هيلوكبتر..

أقلعنا من مطار الخرطوم و المحطة الأولى إحدى قرى القسم الشمالي من مشروع الجزيرة.. هبطت الطائرة في ميدان فسيح.. و امتدت طوابير المستقبلين من كبار مسؤولي الجزيرة.. وخلفهم جماهير غفيرة حُشدت من كل فج عميق لتسد أعين الكاميرات..
وجدنا سيارات دفع رباعي فارهة معدة للوفد انطلقنا في طابور طويل على مد البصر.. إلى مزرعة في أطراف القرية..

كان أحد ادارات المشروع يشرح للمسؤول الرفيع كيف أن المزارعين في غاية الفرح والسعادة لتوفر المياه وكل مطلوبات الزراعة.. و بين الحين و الآخر ينظر تجاه المزارعين ويقول بصوت عالي (الموية كيف؟) فيأتيه الرد ( كتيرة..)

ثم يصيح مرة أخرى (المحصول كيف؟ ) فترد عليه أصوات خلفنا لا نعرف هي من المزارعين أم موظفي الولاية تردد (تمام.. تمام..) ثم ينطلق هتاف.. (هي لله.. هي لله.. لا للسلطة ولا للجاه..).. لم أكن أفهم العلاقة بين الهتاف والزيارة.. لكني كنت أتفهم أن المطلوب خلفية ضوضائية تناسب مقام المسؤول الكبير.
دقائق..

وغادرنا المزرعة عائدين إلى حيث طائرات الهيلوكبتر.. و طرنا في الجو.. إلى آخر نقطة في أقصى جنوب مشروع الجزيرة..

والطائرة تهبط رأينا سرب الابل الذي نُحر احتفاء بالوفد الكريم.. تكرر الأمر ذاته.. ننتقل على ظهور الصافنات الجياد ذات الدفع الرباعي إلى طرف القرية.. و ندخل مزرعة ثم يرتفع الهتاف ذاته.. و يؤكد لنا مسؤول المشروع أن الفرحة لا تكاد تسع المزارعين باطلالة وفدنا الكريم.. ثم لمنزل في القرية تناولنا وجبة من المشاوي الشهية.. ثم رجعنا إلى طائرات الهيلكوبتر.. هذه المرة نحو الجزء الغربي من المشروع..

كررنا المراسم ذاتها.. وسمعنا الهتاف ذاته.. وأطمأننا على فرح وسعادة المزارعين بزيارة وفدنا الرفيع.
عدنا لطائراتنا.. هذه المرة نحو مدينة مدني، عاصمة المشروع، عندما كنا في الجو نظرت من نافذة الطائرة مشهد مهيب.. ت

حتنا أسطول سيارات لا يقل عن 300 من مختلف الأنواع.. واضح تماما أن كل ادارات المشروع والولاية أوقفوا أعمالهم هذا اليوم ليرحبوا بنا.. وليرافقونا نحن في الجو وهم على الأرض في طابور لا نهاية له..
وصلنا مدني.. مباشرة ذهبنا إلى الاستراحة تناولنا وجبة غداء فخمة كانت معدة للوفد وكبار المستقبلين.. ثم خلدنا لبعض الراحة..

وفي العصر انتقلنا إلى نادي الجزيرة.. حيث اللقاء التاريخي بمزارعي الجزيرة.
الضيوف من الشخصيات الرفيعة صعدوا للمنصة.. وجلسنا نحن بين الحضور.. أحد المزارعين قال لي ( معقول دا يا أستاذ؟).. سألته وما هو الـ”لا”معقول الذي أثار حيرته.. رد علي ببعض الغضب (جمعونا هنا من الصباح.. عشر ساعات نحن نجلس في هذا المكان.. في انتظاركم).
تحدث المسؤولون واحدا تلو الآخر.. يقاطعهم الهتاف.. إلى أن تأكد للوفد تماما أن كل المزراعين يرفرفون في الفضاء من الفرح والسعادة..
انتهى اللقاء.. وركبنا طائراتنا نحو للخرطوم..
عندما عدت.. كتبت أسأل وبراءة الأطفال في عيني.. ( في الزيارة الميمونة.. من المستفيد؟ المزارع والمشروع ؟ أم المسؤول؟.)
واصلت في سؤالي: (عندما يسافر مسؤول لزيارة مشروع الجزيرة.. هل يستفيد المشروع – وبالتالي أصحاب المصلحة- من نتائج الزيارة؟ أم أن المسؤول هو الذي يستفيد من صيت الزيارة؟).
بعد يومين فقط من زيارتنا التاريخية تلك.. كان “مانشيت التيار”:
(مزارعو الجزيرة يشكون من العطش).

 حديث المدينة السبت 30 أبريل 2025

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى