إقتصاد

موقع السودان قد يصبح مهماً للطيران من جديد.. لكن عقبة كبيرة ما تزال قائمة

قال المركز السوداني لدراسات وبحوث الطيران إن التوترات الإقليمية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر قد تمنح السودان فرصة لاستعادة جانب من موقعه التاريخي في شبكة ممرات الطيران، لكنه شدد على أن الاستفادة من هذه الفرصة تتوقف على إثبات سلامة المجال الجوي واستعادة القدرة التشغيلية الموثوقة، وليس مجرد إصدار قرار سياسي بفتحه.

وجاء ذلك في دراسة نشرها المركز في 12 أكتوبر 2026 بعنوان «الحرب الإقليمية وعبور الطيران الإثيوبي.. هل يستعيد السودان موقعه في الممرات الجوية الإقليمية؟»، تناولت انعكاسات التوترات بين إثيوبيا وإريتريا ودول المنطقة على حركة الطيران.

لماذا يهم المجال السوداني؟

ترى الدراسة أن الموقع الجغرافي للسودان يمنح منطقة معلومات الطيران بالخرطوم Khartoum FIR أهمية خاصة، لوقوعها بين شبكات الطيران القادمة من إثيوبيا وشرق إفريقيا وبين مصر والسعودية والبحر الأحمر والخليج.

وتؤكد أحدث خطة طوارئ لـKhartoum FIR الصادرة عن منظمة الطيران المدني الدولي «ICAO» وجود ترتيبات تشغيلية تربط المجال السوداني بالمجالات الجوية المجاورة.

بل إن التعديل السادس للخطة، الساري منذ ديسمبر 2025، يتضمن مسارات طوارئ تعبر الأراضي السودانية وتربط Addis Ababa FIR بكل من Jeddah FIR وCairo FIR، مع ترتيبات تنسيق عبر مركز بورتسودان.

وتنص الخطة على اعتبار منطقة HSR5 فوق الأراضي السودانية منطقة مقيدة تعمل على مدار الساعة، ولا يسمح للعمليات التجارية بعبورها إلا عبر مسارات الطوارئ المحددة أو وفق الترتيبات المنشورة، مع اشتراط الحصول على إذن مسبق.

وهذا يعني أن القضية الحالية ليست ببساطة «فتح مجال جوي مغلق»، وإنما توسيع واستعادة الإدارة الطبيعية للحركة الجوية تدريجياً بدلاً من الاعتماد الطويل على ترتيبات الطوارئ والمسارات المحدودة.

ماذا لو تصاعدت أزمة إثيوبيا وإريتريا؟

ترجح الدراسة أنه في حال ارتفاع المخاطر الأمنية حول إثيوبيا وإريتريا، فإن السيناريو الأكثر احتمالاً ليس توقف الخطوط الجوية الإثيوبية بالكامل، وإنما إعادة تخطيط الرحلات وتجنب المناطق الخطرة.

وطرحت الدراسة عدة احتمالات، تشمل الاتجاه جنوباً عبر كينيا، أو شرقاً عبر جيبوتي والبحر الأحمر، إضافة إلى استخدام المسارات عبر السودان باتجاه مصر أو السعودية والخليج متى أصبحت الظروف الأمنية والتشغيلية ملائمة.

ويرى المركز أن هذه التحولات المحتملة قد تزيد القيمة الاستراتيجية للمجال السوداني، خصوصاً إذا تمكن السودان من تقديم ممرات مختصرة وآمنة ومقبولة لدى شركات الطيران وشركات التأمين والسلطات المنظمة.

تحذير EASA أكبر العقبات

لكن الدراسة تلفت إلى عقبة أساسية أمام استعادة الحركة الدولية الواسعة، تتمثل في استمرار التحذيرات الأمنية المتعلقة بالطيران فوق السودان.

وتظهر بيانات الوكالة الأوروبية لسلامة الطيران EASA أن النشرة التحذيرية CZIB-2023-01R8 ما تزال فعالة، وتشمل كامل Khartoum FIR فوق الأراضي السودانية وعلى جميع مستويات الطيران.

وتقول الوكالة إن العمليات العسكرية وتوافر الطائرات والأسلحة المضادة للطائرات والصواريخ المحمولة وأنظمة الدفاع الجوي تخلق مخاطر مرتفعة على الطيران المدني، ولذلك توصي المشغلين المعنيين بتجنب المجال السوداني. وتم تمديد صلاحية التحذير حتى 31 يناير 2027 ما لم يُراجع قبل ذلك.

وعليه، فإن جذب أعداد كبيرة من الرحلات العابرة يحتاج إلى ما هو أبعد من فتح مسارات جديدة؛ إذ يتطلب تقييمات مخاطر موثوقة وملفات سلامة وتنسيقاً دولياً يمكن أن تعتمد عليها شركات الطيران وشركات التأمين.

من الطوارئ إلى الإدارة الوطنية

ويقترح المركز أن يعمل السودان تدريجياً على الانتقال من إدارة المجال في ظل ترتيبات الطوارئ إلى إدارة وطنية كاملة، مع استمرار التنسيق مع ICAO والدول المجاورة.

وكانت منظمة الطيران المدني الدولي قد وضعت خطة الطوارئ عقب تعطل خدمات مركز مراقبة الحركة الجوية بالخرطوم في 15 أبريل 2023. وتنص الخطة على استمرار التنسيق بين الدول المعنية وKhartoum FIR Contingency Coordination Team لضمان سلامة العمليات.

ويرى المركز أن دور فريق التنسيق يجب أن يبقى في نطاق التنسيق الفني والتشغيلي، مع استعادة المؤسسات السودانية قدرتها على تقييم المخاطر وإدارة مجالها وفق المعايير الدولية.

مقترح لإنشاء وحدة وطنية لسلامة المجال الجوي

ودعت الدراسة إلى إنشاء وحدة وطنية تحت اسم:

Sudan Airspace Safety & Coordination Cell

على أن تضم الطيران المدني وخدمات الملاحة الجوية والمطارات والأرصاد والسلامة والأمن والجهات العسكرية المختصة بالتنسيق المدني العسكري.

وتتولى الوحدة، وفق المقترح، تقييم مخاطر الصواريخ والدفاعات الجوية، ومراقبة التشويش والتلاعب بإشارات GPS، وتقييم أنظمة الاتصالات والملاحة والمراقبة، وفحص جاهزية مراقبة الحركة الجوية، ومراجعة NOTAMs والتنسيق مع المجالات المجاورة.

ممرات آمنة بدلاً من فتح شامل

ولا تدعو الدراسة إلى فتح المجال السوداني بالكامل دفعة واحدة، بل تقترح البدء بممرات يمكن إثبات سلامتها، ثم التوسع تدريجياً وفق تطور الوضع الأمني وجاهزية منظومات الملاحة والمراقبة.

ويتلخص المسار المقترح في إجراء تقييم للمخاطر، ثم إعداد Safety Case، وتصميم المسار، والتنسيق الدولي، وإصدار الإشعارات الملاحية، قبل بدء التشغيل.

ومن اللافت أن خطة ICAO الحالية توفر بالفعل أساساً يمكن البناء عليه، إذ تؤكد وجود خطوط اتصال تشغيلية بين Port Sudan Sub-ACC ومراكز أديس أبابا والقاهرة وجدة، إلى جانب اكتمال ترتيبات إجرائية وتقييمات سلامة مرتبطة بمسارات الطوارئ المعمول بها.

بورتسودان كمركز ملاحي إقليمي

وتقترح الدراسة تطوير دور بورتسودان من مجرد بوابة طيران خلال الحرب إلى مركز للملاحة الجوية في شرق السودان، مع الاستثمار في تقنيات ADS-B وVHF وVSAT وشبكات AFTN/AMHS وأنظمة إدارة الحركة الجوية والأرصاد.

كما تقترح لاحقاً التوسع إلى تقنيات إدارة تدفق الحركة الجوية ATFM والاتصالات الرقمية بين الطيارين والمراقبين CPDLC ونظام SWIM والإشعارات الملاحية الرقمية.

وخلص المركز إلى أن الاستفادة الاقتصادية من أي تغير في خريطة الطيران الإقليمي لن تتحقق بمجرد وجود السودان في موقع جغرافي مناسب، بل تتطلب إقناع المشغلين الدوليين بأن العبور أصبح آمناً ومستقراً وقابلاً للتنبؤ.

وبالتالي، فإن الفرصة التي تتحدث عنها الدراسة ما تزال محتملة وليست تحولاً واقعاً حتى الآن؛ إذ تظل إعادة بناء الثقة الدولية في سلامة المجال السوداني العامل الحاسم قبل الحديث عن زيادة رسوم العبور أو استعادة مكانة Khartoum FIR في شبكة الطيران الإقليمية.

الانضمام إلى مجموعتنا على واتساب

الوليد محمد

الوليد محمد - صحفي ومحرر عام بموقع «الراي السوداني»، يتولى إعداد وتحرير المواد الإخبارية اليومية ومتابعة الأخبار العاجلة. يغطّي الشأن المحلي والاقتصادي والتطورات الإقليمية والدولية، مع اهتمام بالقضايا الإنسانية وانعكاسات الأحداث على حياة المواطنين - يعمل ضمن فريق هيئة التحرير بموقع «الراي السوداني» تحت إشراف رئيس التحرير، ويشارك في إعداد ومراجعة المواد الإخبارية وفق السياسة التحريرية المعتمدة ومعايير التحقق من المصادر قبل النشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى