مقالات

عثمان ميرغنى يكتب: مسرح العبث

الراى السودانى

مسار الوسط ومسار الشمال يحصلان على 30% من العوائد)..هذا عنوان خبر ذاع وعمَّ القُرى والحَضر في وسائط الأخبار المحلية أمس .. ولفائدة من لا يعرفون المسارات.. أطراف عملية السلام في جوبا قسموا المفاوضات إلى “مسارات”، مسار دارفور، ومسار المنطقتين ومسار الشرق ثم لمزيد من الإبداع والإبهار أضافوا لها مسار الوسط ومسار الشمال..

والفكرة المجاهر بها، أن لكل إقليم في السودان خصوصياته التي يجب أن تشملها المفاوضات في مسار منفصل، أما المخبأ وراء الستار فهو زيادة رقعة الشطرنج بمسارات تزيد الكراسي والمحاصصة في المناصب الرسمية التي بالضرورة ستفضي إليها اتفاقية السلام,

و نال مسار دارفور في المفاوضات 40% من موارد الإقليم مقابل 60% للسلطة المركزية في الخرطوم.

والأن يحتفي مسار الوسط ومسار الشمال بالخروج من “القسمة النصيب” بـ 30% من العوائد الولائية مقابل70% تذهب إلى المركز..

لا يمكن لأحد أن يتصور مثل هذا الانحدار في مسرح العبث السوداني..

الساسة الذين يمارسون هذه القسمة بكل أسف يُشّهِرون بطاقة اعتراف بالفشل قبل أن يمارسوا السلطة حقيقة.. ليس لأنهم سعوا لتكريس المناطقية فحسب، بل ولأنهم لا يدركون معنى هذه القسمة العجيبة..

سادتي؛ السودان كله رقعة واحدة يملكها شعب واحد، و من الحكمة أن يكون نهج الإدارة هو (تعظيم العوائد) لا (تقسيم الغنائم).. إذا كان تركيز التمويل وجهد الدولة المالية كله في إقليم واحد قادر لأن يمنح السودان عوائد أعظم فإن المنطق يحتم أن تكرس الدولة جهدها كله بل وما تستطيعه من جذب تمويل خارجي لمشروعات في الإقليم الأوفر مواردَ حتى يحصل الشعب السوداني كله على عوائد أكبر..

لا منطق في تخصيص 40% من عوائد دارفور للحكومة الإقليمية في دارفور، فالحساب المجرد من الهوى قد يجعل دارفور الأعلى في السودان من حيث العائد على الاستثمار، فيصبح المنطق هو توجيه كل موارد دارفور بنسبة 100% إلى دارفور بل وعليها زيادة من التمويل المركزي والاستثمار الوطني والأجنبي.. ليس بمنطق (مركز وهامش) و لا بمنطق تعويض عن الحرب بل بمنطق المصلحة وحدها، فمنطقة مثل جبل مرة قابلة لإعادة أي دولار يصرف فيها عشرة أضعافه وفي عام واحد فقط، فالأجدر أن يوجه إليها أقصى ما هو متاح من الجهد التمويلي للدولة، بعيداً عن حكاية قسمة عوائد الإقليم.. لأن معدل الأرباح فيها أعلى.

ينطبق الأمر على الوسط والشمال، فحتى عهد قريب كنت أظن أن الولاية الشمالي هي صحاري جرداء ومناطق شدة ضروس.. لكن في زيارتي الأخيرة إليها اكتشفت أنها جنة تجري من تحتها الأنهار، المشروعات الزراعية الضخمة فيها تكاد تنتج أي محصول يخطر على البال.. من المخجل أن تطالب الولاية الشمالية بـ30% من عوائدها والأجدر أن تضرب الطاولة بكل قوة وتقول للمركز سننفق عليكم نحن من فوائض موازنتنا.

الذي يجري في السودان هو ضرب من مسرح الـ”لا” معقول.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى