تكنلوجيا

من ارتفاع 500 كيلومتر.. هكذا تكشف الأقمار تحركات الدبابات

لم تعد الجيوش قادرة على إخفاء خسائرها وتحركاتها كما كان يحدث في الحروب القديمة. ففي زمن الأقمار الصناعية، صار من الممكن رصد دبابة واحدة من ارتفاع يصل إلى 500 كيلومتر، وكشف آثار القصف وتحركات الآليات وحتى الأهداف التي يحاول المتحاربون تمويهها أو إخفاءها.

السبب لا يعود فقط إلى تطور الكاميرات، بل إلى اعتماد الأقمار الصناعية على تقنيات فيزيائية معقدة تتيح لها قراءة ما يحدث على الأرض بطرق متعددة، سواء عبر الضوء المنعكس أو الموجات الرادارية أو البصمة الحرارية.

ويقول مختصون في الاستشعار عن بعد إن الأقمار المستخدمة في هذا المجال تنقسم إلى نوعين: أقمار عسكرية توفر معلومات آنية وتُستخدم في المتابعة الاستخباراتية وتوجيه العمليات، وأخرى مدنية تساعد في تحليل نتائج المعارك وتقدير حجم الأضرار بعد وقوعها.

البصمة التي تكشف كل شيء

أولى هذه الآليات تُعرف بالانعكاس الطيفي، وتعتمد على أن كل جسم فوق سطح الأرض يعكس أشعة الشمس بطريقة مختلفة. فالطرق، والمباني، والنباتات، والمركبات العسكرية، لكل منها بصمة خاصة تسمح بتمييزها من الفضاء.

وهذا ما يفسر قدرة بعض الأقمار على رصد الدبابات والآليات بصورة دقيقة، إذا كانت موجودة وقت التصوير. ومن أبرز الأمثلة على ذلك أقمار عالية الدقة تستطيع تمييز تفاصيل تصل إلى أقل من نصف متر، وهي درجة كافية لرصد مركبات منفردة ومتابعة تمركزها.

الرادار يرى ما لا تراه العين

النوع الثاني من الرصد يعتمد على الموجات الرادارية، وهي تقنية تتيح للأقمار العمل ليلًا ونهارًا، كما تستطيع اختراق السحب والدخان، وهي ميزة مهمة في مناطق الحروب.

وتقوم هذه الأقمار بإرسال موجات نحو سطح الأرض ثم استقبالها بعد ارتدادها، وعند مقارنة الصور الملتقطة في أوقات مختلفة يمكن رصد تغييرات دقيقة جدًا في التربة أو المباني أو مواقع الانتشار العسكري. ولهذا تُستخدم هذه التقنية في كشف آثار القصف، ورصد تضرر البنية التحتية، ومتابعة المناطق القريبة من خطوط القتال.

الحرارة تفضح الأهداف المموهة

أما التقنية الثالثة فتعتمد على الأشعة تحت الحمراء، وتستند إلى حقيقة فيزيائية بسيطة: كل جسم ساخن يصدر إشعاعًا حراريًا يمكن رصده.

وهنا تصبح المركبات العسكرية، ومحركاتها، ومواقع إطلاق الصواريخ، وحتى الحرائق، أهدافًا يمكن اكتشافها بسهولة نسبية، لأن حرارة هذه الأجسام تميزها عن محيطها. لذلك تستطيع الأقمار الحرارية كشف أهداف لا تظهر بوضوح في الصور العادية، خاصة أثناء الليل أو في البيئات المعقدة بصريًا.

لماذا أصبح الإخفاء أصعب؟

الجمع بين هذه الوسائل الثلاث جعل من الصعب إخفاء كثير من الوقائع الميدانية. فإذا تعذر كشف هدف بصريًا، قد يظهر حراريًا. وإذا غطى الدخان أو السحب المنطقة، يمكن للرادار أن يلتقط التغيرات. أما إذا اختفى الجسم نفسه، فقد تظل آثاره واضحة على الأرض أو في شكل الدمار المحيط به.

لهذا أصبحت الأقمار الصناعية أداة أساسية ليس فقط للجيوش، بل أيضًا لوسائل الإعلام والمراكز البحثية والمراقبين، لأنها توفر صورًا وبيانات تساعد على فهم ما يجري على الأرض، وكشف ما تحاول أطراف النزاع إخفاءه.

عين الفيزياء في الحروب الحديثة

في النهاية، لا ترى الأقمار الصناعية الدبابة كما تراها العين البشرية فقط، بل تتعرف إليها عبر الضوء والحرارة والرادار معًا. وهذا ما يجعل الفيزياء اليوم جزءًا مباشرًا من مشهد الحرب، حيث لم تعد المعركة تُخاض على الأرض وحدها، بل تُراقَب أيضًا من الفضاء بدقة متزايدة.

الوليد محمد

الوليد محمد - صحفي ومحرر عام بموقع «الراي السوداني»، يتولى إعداد وتحرير المواد الإخبارية اليومية ومتابعة الأخبار العاجلة. يغطّي الشأن المحلي والاقتصادي والتطورات الإقليمية والدولية، مع اهتمام بالقضايا الإنسانية وانعكاسات الأحداث على حياة المواطنين - يعمل ضمن فريق هيئة التحرير بموقع «الراي السوداني» تحت إشراف رئيس التحرير، ويشارك في إعداد ومراجعة المواد الإخبارية وفق السياسة التحريرية المعتمدة ومعايير التحقق من المصادر قبل النشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى