اخبار السودان

من يحكم المؤسسات؟ قرارات الدولة أم الاجتهادات الإدارية لإدارات الجامعات؟

إن ما يحدث في بعض الجامعات السودانية بشأن عدم تنفيذ توجيهات رئيس مجلس الوزراء المتعلقة باستمرار عمل المراكز الجامعية خارج السودان يثير تساؤلات مشروعة وخطيرة تتجاوز حدود الخلاف الأكاديمي والإداري، لتصل إلى جوهر احترام مؤسسات الدولة وهيبتها ومصداقية قراراتها.

وهنا يحق لنا أن نسأل إدارات الجامعات التي لم تنفذ هذه التوجيهات:

هل تنفذ الجامعات قرارات وزير التعليم العالي والبحث العلمي الذي يعمل ضمن الجهاز التنفيذي للدولة ويخضع لرئاسة مجلس الوزراء؟ أم أن لكل جامعة الحق في أن تتخذ من القرارات ما تشاء بمعزل عن التوجيهات الحكومية وقرارات السلطة التنفيذية العليا؟

وهل أصبحت إدارات الجامعات مؤسسات مستقلة عن الدولة إلى الحد الذي يجعلها تتجاهل قرارات رئيس مجلس الوزراء دون توضيح أو مساءلة أو إعلان موقف رسمي؟

إن استقلال الجامعات في الشؤون الأكاديمية والعلمية لا يعني استقلالها عن الدولة أو إعفاءها من الالتزام بالقوانين والقرارات والتوجيهات الحكومية المشروعة. فالاستقلال الأكاديمي شيء وتجاوز مؤسسات الدولة وتسلسل سلطاتها شيء آخر تماما.

السودان ليس في ظروف طبيعية

يجب أن ندرك جميعا أن السودان يعيش ظروفا استثنائية بالغة التعقيد نتيجة الحرب وتداعياتها الاقتصادية والأمنية والاجتماعية والإنسانية. فقد تشرد الملايين من المواطنين وتفرقت الأسر بين الولايات ودول اللجوء والنزوح وفقد كثير من الطلاب مصادر دخل أسرهم واستقرارهم المعيشي كما تعرضت المؤسسات التعليمية والبنية التحتية للدمار والتوقف.

وفي ظل هذه الظروف لا يجوز التعامل مع قضية التعليم بمنطق الإجراءات الإدارية الجامدة أو فرض الحضور دون مراعاة لقدرات الطلاب وظروفهم. فالطالب السوداني الموجود خارج البلاد لم يختر الابتعاد عن جامعته بإرادته بل دفعته الحرب إلى ذلك. وكذلك الأستاذ الجامعي الذي اضطر إلى مغادرة السودان لا ينبغي أن يتحول إلى ضحية لقرارات إدارية تتجاهل واقعه.

إن إعادة فتح المراكز الخارجية واستمرار التعليم بالوسائل الممكنة والتعليم الهجين ليسا امتيازا تمنحه الجامعات للطلاب بل ضرورة وطنية تفرضها ظروف الحرب ومسؤولية الدولة تجاه مواطنيها.

هيبة الدولة تبدأ من احترام قراراتها

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة في هذه المرحلة ليس فقط ضعف إمكاناتها أو تراجع مواردها أو الأضرار التي خلفتها الحرب وإنما أن تفقد قراراتها احترامها داخل مؤسساتها نفسها.

فإذا صدرت توجيهات من رئيس مجلس الوزراء ولم تجد طريقها إلى التنفيذ من الجهات المعنية فما قيمة القرارات الحكومية؟ وما الرسالة التي تصل إلى بقية مؤسسات الدولة والمواطنين؟ وكيف نطالب المواطن باحترام القانون والالتزام بقرارات الدولة بينما يرى بعض المؤسسات تتعامل مع التوجيهات الرسمية وكأنها مجرد توصيات اختيارية؟

إن هيبة الدولة لا تتحقق بالتصريحات ولا بالمناصب ولا بالشعارات وإنما باحترام مؤسساتها لقراراتها وتنفيذها ومحاسبة الجهات التي تتجاوز اختصاصاتها أو تمتنع عن تنفيذ ما يلزمها قانونا.

وإذا كانت هناك ملاحظات أو تحفظات أكاديمية أو قانونية أو إدارية لدى أي جامعة فمن حقها أن ترفعها عبر القنوات الرسمية وأن تطلب التوضيح أو المراجعة، ولكن ليس من المقبول أن تستبدل القرار الحكومي باجتهاد إداري منفرد أو أن تترك الطلاب والأساتذة يدفعون ثمن هذا التضارب.

السؤال الذي ينتظر إجابة واضحة

نحن لا نطالب بإضعاف استقلال الجامعات ولا بالتدخل في شؤونها العلمية والأكاديمية وإنما نطالب بتوحيد الموقف المؤسسي واحترام تسلسل المسؤولية داخل الدولة.

وعليه فإن المطلوب من وزارة التعليم العالي ورؤساء الجامعات توضيح الآتي:

1. ما موقف الجامعات رسميا من توجيهات رئيس مجلس الوزراء بشأن استمرار المراكز الجامعية الخارجية؟
2. هل صدرت تعليمات تنفيذية واضحة من وزارة التعليم العالي إلى الجامعات المعنية؟
3. إذا كانت التعليمات قد صدرت فما أسباب عدم تنفيذها حتى الآن؟
4. من يتحمل المسؤولية عن تعطيل مصالح الطلاب والأساتذة المتضررين؟
5. ما الضمانات التي ستقدمها الدولة لاستمرار حق الطلاب في التسجيل والدراسة والامتحانات دون تمييز بسبب أماكن وجودهم؟

رسالة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير التعليم العالي

إن المسؤولية اليوم لا تقع على إدارات الجامعات وحدها بل تمتد إلى وزارة التعليم العالي باعتبارها الجهة المشرفة على مؤسسات التعليم العالي في الدولة. والمطلوب منها ألا تكتفي بإصدار التوجيهات بل أن تتابع تنفيذها وأن تعالج أي تعارض أو تعطيل وأن تعلن للرأي العام موقفا واضحا.

كما أن على رئيس مجلس الوزراء متابعة تنفيذ التوجيهات الصادرة عنه عبر الجهات المختصة بما يحفظ وحدة القرار التنفيذي ويمنع تضارب السياسات داخل مؤسسات الدولة.

السودان يحتاج إلى مؤسسات تحترم الدولة وتحفظ حقوق المواطن

إن بلادنا التي أنهكتها الحرب لا تحتمل مزيدا من الانقسام الإداري والتخبط المؤسسي. فاقتصادها يعاني من التدهور ومواطنوها يواجهون أعباء المعيشة والنزوح واللجوء وفقدان مصادر الدخل، وأبناؤها يحتاجون إلى التعليم أكثر من أي وقت مضى حتى لا نخسر جيلا كاملا بسبب الحرب وتداعياتها.

إن المحافظة على الجامعات واستمرار رسالتها التعليمية مسؤولية وطنية وتاريخية، كما أن احترام قرارات الدولة هو أساس استعادة الثقة في مؤسساتها.

فالدولة التي تريد أن تستعيد مكانتها وهيبتها أمام شعبها ومحيطها الإقليمي والمجتمع الدولي لا بد أن تبدأ بترسيخ احترام مؤسساتها لقراراتها والالتزام بالقانون وتطبيقه على الجميع دون استثناء.

وختاما

إن تنفيذ قرارات الدولة ليس خيارا انتقائيا يخضع لرغبات المسؤولين أو تقديرات الإدارات المنفردة متى كانت تلك القرارات صادرة من جهة مختصة وواجبة التنفيذ.

نختلف في الرأي ونتحاور ونقدم المقترحات ونعترض عبر القنوات القانونية والرسمية، لكن لا يجوز أن تتحول مؤسسات الدولة إلى جزر منفصلة تتعامل كل منها مع القرارات الحكومية وفق ما تراه مناسبا.

وإذا لم تستطع الدولة تنفيذ قراراتها داخل مؤسساتها فكيف يمكن أن تطالب الآخرين باحترامها؟ وإذا لم تحترم المؤسسات سلطة الدولة فمن سيحفظ هيبتها وكرامتها؟

إن احترام قرار الدولة احترام للدولة نفسها، وحماية لحقوق مواطنيها، وصيانة لكرامتها وهيبتها أمام شعبها والعالم.

السودان اليوم في أمس الحاجة إلى دولة واحدة وقرار مؤسسي واحد ومسؤولية وطنية مشتركة، لا إلى قرارات متضاربة واجتهادات منفردة يدفع المواطن وحده ثمنها.

حفظ الله السودان وشعبه ومؤسساته.
بقلم الأستاذ: عابدين حامد عابدين

الانضمام إلى مجموعتنا على واتساب

الوليد محمد

الوليد محمد - صحفي ومحرر عام بموقع «الراي السوداني»، يتولى إعداد وتحرير المواد الإخبارية اليومية ومتابعة الأخبار العاجلة. يغطّي الشأن المحلي والاقتصادي والتطورات الإقليمية والدولية، مع اهتمام بالقضايا الإنسانية وانعكاسات الأحداث على حياة المواطنين - يعمل ضمن فريق هيئة التحرير بموقع «الراي السوداني» تحت إشراف رئيس التحرير، ويشارك في إعداد ومراجعة المواد الإخبارية وفق السياسة التحريرية المعتمدة ومعايير التحقق من المصادر قبل النشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى