تصدر هاشتاق ترند السبعينات منصات التواصل خلال الأيام الماضية، بعدما امتلأت الصفحات بصور الشوارع القديمة والمباني التاريخية والأزياء الكلاسيكية وتسريحات الشعر المستوحاة من سبعينيات القرن الماضي. ولم يقتصر الأمر على فلتر بصري أو موضة رقمية، بل تحوّل سريعًا إلى حالة وجدانية واسعة، يبحث خلالها كثير من السودانيين عن ذاكرة أكثر هدوءًا في زمن الاضطراب.
لكن اللافت أن ترند السبعينات أعاد الانتباه إلى جهود توثيقية سبقت الحرب بسنوات، أبرزها مبادرة «سودانية بكتوريل» التي أطلقتها المهندسة والمصورة ريم حسين كمشروع ثقافي لحفظ ملامح المدن السودانية قبل اختفائها.
وتوضح ريم أن المشروع لم ينطلق بدافع الحنين، بل من إدراك مبكر لتغيّر شكل المدن وتراجع الاهتمام بالمباني التاريخية. وتقول إن الهدف كان كشف “جمال السودان غير المعروف”، وكسر الصورة النمطية عبر توثيق الأماكن المنسية قبل اندثارها.
وترى أن عدداً كبيراً من المباني كان يعيش حالة إهمال تدريجي، أشبه بـ«هجرة صامتة»، حيث فقدت دورها الاجتماعي وتُركت مهجورة قبل سنوات من اندلاع الحرب. لذلك ركّزت المبادرة على التفاصيل الصغيرة: الشرفات، النوافذ، اللافتات القديمة والأبواب الخشبية، باعتبارها ملامح صنعت ذاكرة المدن لعقود.

ويتقاطع المشروع مع ترند السبعينات في إعادة إحياء المشهد التاريخي كاملاً، من الملابس والإكسسوارات إلى تعابير الوجوه، لكن القائمين عليه يؤكدون أن الغاية لم تكن إنتاج صور جميلة فقط، بل ربط الناس بالمكان وتحويل الصورة إلى وسيط ذاكرة لا مجرد مادة للنشر.
وتشير ريم إلى أن حكايات الأسرة عن أماكن الدراسة والعمل وأسواق المدن القديمة كوّنت لديها ما تصفه بـ«ذاكرة مكانية»، دفعتها لتوثيق المواقع قبل أن تفقد معناها أو تتعرض للمحو.
وشملت اللقطات مباني بارزة مثل البريد والبرق، وفندق الأكروبول، وسودان كلوب، إلى جانب متاجر وأحياء شكّلت الحياة اليومية في سبعينيات القرن الماضي. ومع اندلاع الحرب اكتسبت هذه الصور قيمة مختلفة؛ إذ تحولت من عمل ثقافي إلى أرشيف بصري لذاكرة مهددة.
واليوم، ومع انتشار ترند السبعينات مجددًا، لم تعد الصور مجرد استدعاء لزمن جميل، بل أصبحت تذكيراً بما كان قائماً وما يمكن استعادته. هكذا تحوّل الحنين الرقمي إلى محاولة رمزية لمقاومة النسيان في بلد تتآكل فيه الأمكنة والذكريات معاً.
في السودان لم يعد الحنين رفاهية… بل وسيلة لحفظ ما تبقى من المعنى، وقد تكون صورة قديمة آخر شاهد على مكانٍ اختفى بالكامل.











