في وقت يُفترض أن يكون مفصليًا لمستقبل البلاد، فجّرت موازنة الطوارئ لعام 2026 موجة انتقادات جديدة، بعد أن وصفها خبير اقتصادي بارز بأنها بلا رؤية ولا ملامح إعمار، محذرًا من تداعيات خطيرة على الاقتصاد السوداني في مرحلة ما بعد الحرب، وفق معلومات حصل عليها” الراي السوداني”.
وأفادت مصادر مطلعة أن الخبير الاقتصادي ونائب مدير جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، البروفيسور عبد العظيم المهل، اعتبر الموازنة الحالية أقرب إلى “موازنة حرب” تُدار بعقلية ” رزق اليوم باليوم”، دون أي تخطيط استراتيجي طويل المدى، رغم أن المرحلة الراهنة تُعد من أخطر وأدق المراحل في تاريخ السودان الاقتصادي.
وأوضح المهل، في حديثه للصحيفة، أن مراجعة بنود الموازنة كشفت غيابًا شبه كامل لأي مشاريع تنموية أو إنتاجية، مشيرًا إلى عدم وجود بيانات حول مشروعات زراعية، أو خطط لإعادة تشغيل المصانع، أو برامج واضحة للإعمار، ما يعكس — بحسب وصفه — فراغًا مقلقًا في السياسات الاقتصادية الحكومية.
وأكدت إفادات الخبير أن الموازنة خلت أيضًا من مشروعات البنية التحتية الأساسية، بما في ذلك الطرق، السكك الحديدية، شبكات الري، السدود، الكهرباء، الطاقة الشمسية، إضافة إلى غياب تام لمشروعات التحول الرقمي والبنية المعلوماتية، فضلًا عن تراجع دور الدولة في قطاعات التعليم والصحة والخدمات الأساسية.
ونقل المهل رسالة مباشرة مفادها أن “الحكومة انسحبت عمليًا من مسؤولياتها الأساسية وتركَت المواطن يواجه أعباء المعيشة وحده”، معتبرًا أن ذلك يُفاقم الأزمة الاجتماعية ويهدد الاستقرار الاقتصادي في المدى القريب.
وفي سياق متصل، شدد المهل على أن أي موازنة فاعلة يجب أن تقوم على أهداف واضحة، وبرامج محددة، وأرقام قابلة للقياس والمساءلة، مشبهًا الوضع الحالي بورقة امتحان فارغة تُمنح الدرجة كاملة دون مقابل، في إشارة إلى غياب المعايير المهنية والشفافية.
وأظهرت إفادات الخبير أن المواطن السوداني بعد الحرب بات أكثر وعيًا، ولم يعد يثق في الشعارات، بل يبحث عن أرقام دقيقة ومشروعات ملموسة يمكن تقييمها على أرض الواقع.
وفي لفتة لافتة، حيّا المهل وزير الثروة الحيوانية الدكتور التجاني المنصوري، مشيرًا إلى أنه الجهة الحكومية الوحيدة التي أعلنت خطة واضحة المعالم يمكن محاسبتها بنهاية العام، ما يعكس — وفق تعبيره — غياب التخطيط المنهجي لدى بقية الوزارات.
كما انتقد المهل عدم استغلال الحكومة للأموال التي عادت مؤخرًا إلى الجهاز المصرفي بعد أن كانت مخزنة في المنازل، داعيًا إلى توظيفها في تحريك عجلة الاقتصاد والاستفادة من تجارب دول نجحت في الخروج من أزمات مشابهة.
وختم الخبير حديثه بتأكيد لافت: “الاقتصاد السوداني يمتلك طاقة كامنة هائلة، وإذا تحركت عجلاته بشكل صحيح، فلن تتوقف”، في رسالة تعكس حجم الفرص الضائعة بقدر ما تكشف عمق التحديات القادمة.

