لا توجد أزمة».. هل يقيس كامل إدريس الوقود أم يقيس صبر السودانيين؟ ..
كتبه : أحمد غباشي
يبدو أن السودان اكتشف أخيراً الطريقة المثلى لحل أزماته: المسطرة!
وقع هذا الاكتشاف خلال تفقد رئيس الوزراء كامل إدريس، برفقة وزير النفط ووالي الخرطوم، عدداً من محطات الوقود، حيث وقف أمام إحدى المحطات، بينما كان أحد العاملين يقيس مستوى الوقود داخل الخزان باستخدام ماسورة القياس.
وبعد التجربة، قال رئيس الوزراء أمام الكاميرات: «الله أكبر.. لا توجد أزمة وقود ولا أزمة غاز في السودان».
لكن المشهد الذي التقطته الكاميرات لم يكن بالضرورة مطابقاً لما يراه المواطن يومياً؛ صفوف طويلة من السيارات أمام محطات الوقود، وانتظار لساعات وربما لأيام قبل الحصول على فرصة لتعبئة خزان السيارة.
وكالعادة، دخل السودانيون إلى غرفة العمليات الأكثر نشاطاً: السخرية.
قال أحدهم إن الواقفين بسياراتهم ربما كانوا ينتظرون الصلاة، بينما رأى آخر أن الصفوف ليست طوابير وقود وإنما «معارض سيارات». وذهب ثالث إلى قراءة أكثر تخصصاً للمشهد، مشيراً إلى طول ماسورة القياس، قائلاً: «ويبدو أنها مقاسنا المرتقب».
ليست المشكلة في النكات، فالسخرية هنا ليست سوى مقياس للضغط الاجتماعي؛ وسيلة للتنفيس عن فجوة كبيرة بين ما يراه المواطن بعينيه وما يسمعه من المسؤول.
فعندما يقضي المواطن ساعات أو ليلة كاملة أمام محطة الوقود، فإنه لا ينتظر قراءة مستوى الخزان بقدر ما ينتظر إجابة عن سؤالين بسيطين: لماذا وصلنا إلى هذه الأزمة؟ ومتى تنتهي معاناتنا؟
وتزداد المشكلة عندما تأتي هذه المشاهد ضمن سلسلة من المقاربات التي تجعل المواطن يشعر بأن الأزمات تُعامل أحياناً باعتبارها مشاهد رمزية تحتاج إلى صورة تلفزيونية، بدلاً من كونها مشكلات تحتاج إلى سياسات وإجراءات واضحة.
أزمة الأسواق تُواجه بإعفاءات ضريبية لتجار عن سنوات الحرب، وهي سنوات استثنائية عانى خلالها النشاط الاقتصادي نفسه من الانهيار.
وأزمة الإنتاج تُقابل أحياناً بمشهد رياضي رمزي، يظهر فيه رئيس الوزراء وهو يركض في الشارع مرتدياً «فانيلة داخلية» وحاملاً حزمة قمح، وكأن مشكلة الزراعة السودانية كانت في غياب اللياقة البدنية للمسؤولين.
أما قضية المقاتلين الأجانب، ومن بينهم الكولومبيون، فتبدو وكأنها انتقلت من غرف العمليات العسكرية إلى دروس اللغات، عبر خطاب موجه إلى الشعب الكولومبي باللغة الإسبانية.
ومهما افترضنا حسن النية في هذه المواقف، فإن إدارة الدولة لا تقوم على الرموز والمشاهد وحدها. المواطن يريد وقوداً، والمنتج يريد مدخلات، والمزارع يريد سوقاً، والجندي يريد سلاحاً، والاقتصاد يحتاج إلى سياسات نقدية ومالية واضحة، والدولة تحتاج إلى جهاز تنفيذي يحدد مكامن الخلل ويضع حلولاً قابلة للتنفيذ.
لذلك، فإن السخرية التي طالت رئيس الوزراء لا يمكن اختزالها بالضرورة في «التنمر على مسؤول»، بل يمكن قراءتها أيضاً باعتبارها تعبيراً عن حالة استياء من طريقة التعامل مع الأزمات، خصوصاً عندما يشعر المواطن بأن إدارة الصورة تتقدم على إدارة الواقع.
وعندما يطالب البعض رئيس الوزراء بالترجل عن المنصب، حتى وإن جاءت تلك المطالب في صيغة ساخرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، فإنها تعكس اتساع الفجوة بين المواطنين والحكومة، وليس فقط بين المواطن ومحطة الوقود.
ربما كان الأجدى، بعد قياس مستوى الوقود في الخزان، أن تُقاس أشياء أخرى أيضاً: مدى صبر المواطن، وقدرته على تحمل الأزمات، وعدد الاجتماعات والقرارات والإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمعالجة الأزمة مقارنة بحجم أثرها على حياة الناس.
أما إذا كانت الحكومة لا ترى وجوداً للأزمات، فربما تحتاج إلى مقياس أطول من ماسورة الوقود.











