(8) جيوش في البلاد.. الخطر المحدق!

0 639

الراى السودانى

عندما كانت الوساطة الجنوبية تعمل بكامل طاقتها، بغية التوصول إلى اتفاق سلام بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة، لم يخطر ببالها وقتها ولو للحظة، أن اتفاق السلام الذي سيتوصل إليه الفرقاء في ظل المرحلة الانتقالية سيحيل البلاد إلى ثكنة عسكرية قوامها ثمانية جيوش حقيقية. هكذا هو واقع الحال الجديد الذي أوجدته اتفاقية السلام، والذي يرفع بدوره وتيرة القلق، لاختلاف عقيدة هذه الجيوش القتالية، وانتماءاتهم الفكرية .

عضو مجلس السيادة محمد الحسن التعايشي، خلال برنامج الحوار الوطني، أمس الأول أقر بهذه الحقيقة، مؤكدا وجود  8 جيوش في البلاد، في وقت اكد فيه مقرر الوساطة الجنوبية ضيو مطوك، خلال تصريحات له بذات البرنامج، أن وجود قوات الحركات المسلحة، في الخرطوم والمدن، غير منصوص عليه في اتفاق السلام، مايطرح عددا من التساؤلات حول الخطر الكبير جراء هذا التعدد العسكري في فترة انتقالية حرجة تعاني فيها البلاد هشاشة وسيولة أمنية حادة، ما هي الكيفية الممكنة للدمج في جيش قومي موحد؟ وما مخاطر الدمج، في ظل وجود عقيدة سياسية وعسكرية مختلفة لمنسوبي هذه الجيوش؟ ما هي الأخطاء التي ارتكبتها الحكومة حيال دخول هذه القوات؟ وما  الأسباب التي تؤخر عملية الدمج؟

صافرة إنذار

في  أكتوبر الماضي، وعند التوقيع على اتفاقية سلام جوبا، كانت التساؤلات، وقتها تحوم حول مصير قوات الحركات، رغم العلم مسبقا ببند الترتيبات الأمنية، لكن  المخاوف وقتها كانت في أوجها، لأن إنزال الاتفاق أرض الواقع، له ترتيباته المالية الخاصة، سيما أن البلاد تعاني وضعا اقتصاديا منهارا. وما لبثت ان ارتفعت وتيرة المخاوف من دخول القوات للخرطوم، خاصة عقب وصول قادتها للبلاد، وماهي إلا ايام حتى انتشرت هذه القوات داخل العاصمة الخرطوم في صورة لافتة أثارت رعب المواطنين. وفيما عد البعض ما حدث تساهلا من الحكومة، شدد البعض الآخر على ضرورة إيجاد كيفية مناسبة لمعالجة هذا الوجود العسكري المخيف.

الهواجس تعدت خانة المواطنين، إلى قوات بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (يونيتامس)، وذلك حين أبدى رئيس البعثة، الألماني «فوكلر بيرتيس» خلال إحاطته الدورية الأولى لمجلس الأمن الدولي، مخاوفه، من تعدد هذه الجيوش، قارعا صافرة الإنذار، مؤكدا أن السلام لن يتحقق في السودان، في ظل وجود كل هذه الجيوش.

عضو لجنة  الوساطة «ضيو مطوك» أقر بوجود خروقات كثيرة في ملف الترتيبات الأمنية، بما في ذلك تواجد قوات من الحركات في المدن، وعدها ظواهر غير منصوص عليها في الاتفاقية. وفي ظل كل هذا يصبح التساؤل الأهم حول معايير الدمج، في ظل وجود عقيدة سياسية وعسكرية مختلفة لمنسوبي هذه الجيوش؟

الحكومة.. المتهم الأول

في حين تصوب الانتقادات نحو الحكومة، لتماهيها مع الوضع الأمني المختل في البلاد، دون ضوابط محددة وتسمح لهذه الجيوش التحرك بحرية، أكد عضو لجنة الوساطة ضيو مطوك في تصريح سابق لـ(الإنتباهة)، أن الحكومة تعذرت في إكمال ملف الترتيبات الأمنية وتكوين القوات المشتركة، بسبب نقص الأموال. في مقابل ذلك يرى خبراء أن وجود عدد ٨ جيوش بالبلاد بجانب الجيش القومي، أمر يضعف من قيمة المنظومة العسكرية القومية. وبحسب مصدر عسكري تحدث لـ(الإنتباهة) فإن حالة من التململ بين صفوف القوات المسلحة حيال هذه الصورة التي وصفها بالشائهة، مؤكدا أن كثيرا من الضباط والجنود يرون إضاعة هيبة الجيش في ظل وجود جيوش موازية له  .

وقال المصدر، إن الجيش السوداني عرف لسنوات طويلة بقوته، لكن الآن يعاني الوهن، خاصة عقب عملية الشيطنة التي تعرض لها، بعد فض الاعتصام.

واكد المصدر على أن إضعاف المؤسسة العسكرية أمر مقصود من قبل البعض، في وقت يتماهى فيه قادتها مع جيوش موازية أضعفت من هيبته .

وفي الوقت نفسه يرمي الخبير العسكري الفريق  عثمان بلية  اللوم على الحكومة بالسماح لهذه الجيوش الدخول إلى البلاد

وأوضح بلية لـ(الإنتباهة) انه كان يتوجب على الحكومة عقب توقيع اتفاق السلام، نزع السلاح من هذه القوات والتحفظ عليها في معسكر خارج العاصمة لحين اكتمال الترتيبات الخاصة بها. وذكر أن الوضع الصحيح هو أن يكون بالدولة جيش واحد، مؤكدا أن القضية التي حملت بها هذه الجيوش السلاح قد انتفت بسقوط النظام .

ضوء أخضر

ويرى مراقبون عدم الالتزام ببنود الاتفاقية، من قبل بعض  الحركات، من شأنه أن يؤدي إلى نتائج سالبة وعواقب وخيمة تكبد البلاد الكثير.

وبحسب الاتفاقية الموقعة بين الحكومة والحركات، نجد أنها نصت على دمج الحركات المسلحة في المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية على ثلاث مراحل تنتهي بانتهاء الفترة الانتقالية، وان يتم الدمج بعد اكتمال عمليتي التجميع المتفق عليها ٩٠ يوما والتدريب في ١٥ شهرا، على أن تبقى القوات التي يتم دمجها في دارفور لمدة أربعين شهراً من تاريخ توقيع الاتفاق قابلة للتمديد، بعد ذلك يتم دمج  القوات في شكل وحدات عسكرية كاملة حسب تنظيم القوات المسلحة السودانية .

وبالنظر إلى جزئية بقاء الحركات في دارفور لمدة ٤٠ شهرا، نجد أن الحركات  قامت بخرق هذه الجزئية، وهو ما عده المحلل السياسي أبوبكر عبد الرحمن تماهيا  رسميا من الحكومة حيال ما يحدث .

وقال ابوبكر لـ(الإنتباهة)، إن الحكومة منحت الحركات ضوءا آخر لخرق الاتفاقية، من خلال تماهيها مع ما يحدث، واضاف: اتفاقية سلام جوبا ولدت مشوهة، والنخب العسكرية جزء مما يحدث بدخولها في تسويات عسكرية، ومنحها رتبا وامتيازات عسكرية لقادة الحركات، تتنافى وقانون القوات المسلحة .

ودعا في الوقت نفسه الحكومة، إلى الوقوف، حول العقيدة التي تعمل بها هذه الحركات، وما إذا كانت عقيدة مناطقية أو عسكرية أو عقيدة متعلقة بقومية السودان، قبل عملية الدمج

ولم يستبعد أبوبكر في الوقت نفسه، اندلاع حرب أهلية بسبب هذه القوات التابعة للحركات، مؤكدا حال اندلاع اي نزاع أو حرب في منطقة محددة فيمكن أن تظهر هذه القوات ولاءها المناطقي أو القبلي .

صعوبات

حزمة من التحديات والصعوبات، تواجه عملية دمج الجيوش وفق الترتيبات الأمنية، يأتي في مقدمتها اختلاف العقيدة العسكرية والقتالية لهذه الجيوش وانتماءاتها . وبحسب، مصدر عسكري تحدث  لـ(الإنتباهة)، فإن القوات المسلحة سوف تقوم بعملية الدمج وفق ترتيب محدد، يتمثل في تجفيف وحجب المعلومات عن هذه الجيوش بعد أن يتم دمجها، لان الجيش له قوميته وهو الوطن، ومعظم قوات الحركات هذه لديها قومية وانتماء مختلف تقاتل لأجله .

وفي الوقت نفسه أكد الخبير العسكري، الفريق عثمان بلية لـ(الإنتباهة) الدمج يتم وفق معايير محددة تتعلق بالتعليم وإعادة التأهيل، واللياقة البدنية والصحة، موضحا أن طريقة استيعابهم لن تكون بالأمر الهين . وفيما يرجع البعض تباطؤ الحكومة في هذا الملف، إلى انتظار اكتمال ركب السلام وانضمام كل من عبد الواحد والحلو، ينفي في ذات الوقت (بلية) الحديث، مؤكدا أن إجراءات الترتيبات الأمنية تأخذ وقتا طويلا وليست بالأمر السهل .

في ذات المنحى حذر المحلل السياسي أبوبكر عبد الرحمن، في حديثه لـ(الإنتباهة) الحكومة من ما يحدث في تشاد من انفلات أمني، وتأثيراته على إقليم دارفور في ظل انتشار هذه الجيوش. ودعا الحكومة إلى أخذ الحيطة .

نسمة 300×350
تعليقات
Loading...
error: عفوا لايمكنك نسخ محتوى الموقع !!